|
|
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السـودانية |
ملف إنقاذ تراثنا القومي السودانوي من الإنقاذ
رسالة الى رئيس جمهورية السودان بشأن متحف السودان القومي للاثنوغرافيا
د. محمود الشيخ الطيب (*)
صحيفة الأيام/ السبت الموافق 10/ فبراير 2001
رئاسة الجمهورية هى قمة مؤسسات الدولة. وكما هو معلوم ففي أية دولة عصرية بغض النظر على توجهاتها لا يمكن أن يصدر قرار من رئاسة الدولة بغير دراسة متأنية ومشورة تامة مع ذوي الاختصاص وذلك من أجل ضمان أن يكون تنفيذ القرار المعين بهدف المصلحة العامة للبلاد أولاً وأخيراً. ومع كل فليس كل قرار صادر من رئاسة الجمهورية بالضرورة أن يحالفه التوفيق. فمؤسسة الرئاسة يقوم عليها بشر، والبشر ليسوا بالمعصومين من الخطأ.
أدلف من هذه المسلمات الى مناقشة قرار كانت رئاسة الجمهورية قد أصدرته قبل عام نصت فيه على فصل متحف التراث الشعبي (متحف السودان القومي للاثنوغرافيا) من الهيئة العامة للآثار والمتاحف والحاقه بمركز جديد سُميَّ بـ معهد حضارات السودان. وبموجب هذا القرار تم اغلاق المتحف بحجة إعادة العرض.
إن ما دفعني لكتابة هذا المقال هو اهتمامي كمواطن بأمر تراث هذا البلد ولي كل الحق في أن أتساءل عن الحكمة التى كمنت وراء اتخاذ هذا القرار. فالمعروف والثابت تاريخياً أن متحف التراث الشعبي هو جزء أساسي من إدارة الآثار والمتاحف، بعود وضع لبناته الأولى لحقبة الحكم الثنائي وذلك حينما بدأت السلطة الاستعمارية تبدي اهتماماً بتراث البلد فقامت بتكليف موظف من كبار موظفي إدارة التعليم بالاشراف على الآثار والتراث كعمل اضافي وأطلقوا عليه تسمية "محافظ الآثار" أو "القائم على أمر الآثار". ومنذ ذلك الحين المبكر، أي العقد الأول من القرن العشرين، بدأ تجميع المواد الأثرية والمتحفية والذى ارتبط بكلية غردون التذكارية. على أن أول تنظيم وترتيب لهذه المواد يشكل عرضاً عاماً قام به السيد جون آركل عالم الآثار المعروف. ففي عام 1930 قام آركل بعرض المجاميع المخزنة في ممرات ودهاليز كلية غردون مؤسساً بذلك أول عرض متحفي عرف في السودان. وآركل هو أول من تولى وظيفة المدير المتفرغ للآثار والتراث وهى الوظيفة التى عرفت بـ Commissioner for Archaeology and Anthropology "مدير الآثار والأنثروبولوجيا". ومع تصاعد الاهتمام بأمر الآثار والتراث وتشكيل إدارة متفرغة لهما كانت الخطوة التالية هي تأسيس متحف منفصل هو متحف الخرطوم الذى تأسس في عام 1949 وكان يحتل المبنى الذى تقع فيه مكاتب مدير جامعة الخرطوم اليوم. تبع ذلك خلق إدارة تتبع الأولى اضطلعت بمهام الآثار مع صيانة وتنقيب ودراسة، والثانية تخص المتاحف وواجبها حفظ ودراسة المواد المتحفية من آثار وتراث، وقد كان ذلك عندما تولى الإدارة بيتر شيني في عام 1949. ومع بزوغ فجر الاستقلال تولى السيد ثابت حسن ثابت الإدارة كأول مدير سوداني للآثار والأنثروبولوجيا وتقرر إنشاء متحف للتراث الشعبي. فتم تخصيص نادي البحرية الملكية الإنجليزية لهذا الغرض، وافتتح المتحف رسمياً في عام 1956 (**) وهو يحتوي على مواد وأدوات شعبية تمثل مختلف الأنشطة البشرية للإنسان السوداني أينما كان في ربوع هذا الوطن. وقد جمعت تلك المواد بفضل الجهود المضنية التى بذلها جميع من توالوا على العمل في قسم التراث الشعبي من سودانيين وأجانب وعبر عشرات السنين. كما وجهزت المجموعات للعرض المتحفي بطريقة مبسطة وشيقة من قبل العاملين ذوي الاختصاص والمعرفة بالتراث السوداني رغم ضعف الإمكانيات وشحها. وبرغم كل ذلك فقد كان العرض في حالة تطور وتنقيح دائم بغرض التجديد والمواكبة لسبل العرض العصرية، لذا فهو لم يخرج عن إطار التقاليد العلمية المعمول بها في مثل هذه المعارض في بقاع أخرى من الأرض، فهو كان مرتباً بصورة تعطي الزائر الوطني والأجنبي فكرة واضحة على ثقافة الإنسان السوداني في الأقاليم المختلفة وتعرض بوضوح شق الصور على التقاليد والعادات المحلية وكيفية المعيشة والسبل والوسائل التى يمارس بها الإنسان نشاطه اليومي. فمتحف التراث هو تسجيل حي للواقع السوداني فهو ينبع من صميم البيئة وثقافتها. لذا فهو يقف شاهداً على تطور المجتمعات السودانية وما حققته من تقدم. إن الدول التى تحترم ثقافتها عادة ما تهتم بالتراث وتوليه عنايتها وتبذل الكثير من الجهد والمال من أجل تطويره والحفاظ عليه. وذلك لا يتم إلا بالارتقاء بالكوادر البشرية المتخصصة ورفع مستوياتها فتضمن بذلك تطور أساليب البحث والدراسة.
نخلص من ذلك إلى أن متحف التراث الشعبي هو جزء أساسي من الإدارة العامة للآثار والمتاحف. وقد بذل فيها جهد مقدر ليصل ما وصل إليه وكان يؤدي دوره المرسوم له بقدر الإمكانيات المتاحة. فما هو الغرض إذن من سلخه عن الجسم الأم؟ فإن كان فيه قصور لم يعجب أولي الأمر فقد كان الأمثل في هذه الحالة أن يعالج الأمر في ظل الإدارة العامة للآثار وداخل أطرها فالمؤسسات الثقافية لا يعالج قصورها وعجزها ببتر الأوصال إنما بالدعم والرعاية والاهتمام.
من جانب آخر لا أعتقد أن أحداً من المهتمين بحضارات هذا البلد يمكن أن يقف ضد فكرة إنشاء مركز للحضارة السودانية حتى وإن رأت السلطة إقامة مثل ذلك المركز بعيداً عن إدارة الآثار أو أي من المؤسسات الثقافية القائمة علَّ ذلك يضيف زخماً جديداً يثري ويغني البحوث والدراسات في هذا المجال شريطة أن يقوم عليه أهل الاختصاص. أما قناعتي الشخصية، فإنني أرى أنه كان من الأفضل والأجدى والأنفع صب الاهتمام على الإدارة العامة للآثار والمتاحف وعلى وجه الخصوص متحف السودان القومي الذى أصبح اليوم في حالة يرثى لها من التردي بدءاً بالبنية الأساسية للمبنى نفسه مروراً بصالات العرض التى أنهكها الزمن وما تحويه من معروضات يهددها التلف من جراء تقلب درجات الحرارة في الصالات بسبب الانقطاع الدائم لتيار الكهرباء ومشاكل أجهزة تكييف الهواء علاوة على ما يمكن أن تتعرض له من أخطار السرقات والحرائق نظراً لانعدام الأجهزة والمعدات التى تدرأ هذه الأخطار وليس حال ما هو مخزون من مواد التراث القومي لهو أفضل من حال المعروض منها فحال المخازن يغني عن السؤال عن ما يفترض أن يكون متحف السودان القومي أحد الواجهات المشرفة للسودان. ففي عهد ليس ببعيد كان يشرف رئاسة الجمهورية أن تدعو ضيوفها وبكل فخر "وبعين قوية" لزيارة المتحف، وقد شهدت حدائق المتحف التى كانت مزدهرة في ذلك الزمان العديد من حفلات الاستقبال التى تنظمها الحكومة لكبار الزوار من عرب وأفارقة وأجانب فهل تدرون يا سادتي ما وصل إليه حال المتحف وحديقته اليوم؟ والحالة هذه أو ليس من الأجدى أن تهتم رئاسة الجمهورية بتطوير الإدارة العامة للآثار ورفع مستواها ودعمها كي تصبح هيئة بحث أكاديمي علمي بحق وحقيقة - كما كان مخططاً لها أن تكون قبل 30 يونيو - بدلاً عن وضعها الحالي كجهاز متهالك من أجهزة الخدمة المدنية. أما خلق مراكز هيكلية لا تسندها تقاليد بحث علمي فهي لا تخرج عن حدود الوجاهة وتبديد المال العام. وهنا يتكرر مرة ثانية خطأ افتتاح عدد من كليات الآثار بلا مقومات وبلا إمكانيات بشرية أو مادية بدلاً عن التركيز على تأهيل ودعم قسم الآثار الموجود بجامعة الخرطوم، فالعبرة ليست بالكم إنما بالنوع وهذا قول بديهي. إن جل ما نخشاه هو أن تسير جهات أخرى على هدي الرئاسة - وما أكثرها في بلد الولايات الستة وعشرين - وأن نسمع غداً بفصل قسم آخر من أقسام إدارة الآثار لتأسيس مركز صيانة آثار حوض النيل الأوسط - على سبيل المثال، لا سمح الله - واختيار جهابذة العصر كدكتور فلان اختصاصي التخدير والمسالك البولية مديراً له. وليس ذلك ببعيد طالما انه لا توجد أي معايير حقيقية لتطور العلوم عندنا ففي بعض الولاء ومعرفة الرموز ما يكفي ويزيد.
المهم يا سادتي أن الحكم أمانة في الأعناق والمال العام يسألكم الله عنه يوم تبعثون. والتراث ليس ملكاً خاصاً للحاكم يتصرف فيه وفق هواه، بل هو ملك للأمة جمعاء وعلى الحكومات صونه ورعايته. ومن هذا المنطلق فإن القرار الخاص بمتحف التراث قرار لم يحالفه التوفيق ولا يسنده أي منطق، كذلك الذى اتخذه نميري حول سور جامع الخليفة حينما أمر بإعادة صياغته بحجة التزيين وتحسين المنظر.. قد تعددت الحجج والنتيجة واحدة.. "وما فيش حد أحسن من حد".
ختاماً أن الأسئلة التى نتوقع الإجابة عنها هي هل كان نزع متحف التراث ضرورة حتمية؟ وهل كان من المستحيل إقامة معهد الحضارات في أي مكان آخر؟ وما هي العلاقة بين إقامة معهد يفترض أن يكون ذا صفة بحثية يستعد فيها لإعادة كتابة تاريخ السودان من جديد وبين متحف مفتوح للجمهور يقوم برسالة ثقافية محددة، أم أن الهدف في الأصل هو نادي البحرية الملكية ذو الموقع الاستراتيجي؟
أما بعد فهل نتوقع أن تعيد رئاسة الجمهورية النظر في قرارها هذا (ولو من قبيل ان الثورة تراجع ولا تتراجع). اننا نعشم في ذلك خاصة بعد مبادرة عمر البشير الأخيرة بزيارة المتحف القومي، واجتماع مجلس الوزراء بكامل هيئته بالمتحف في بادرة لم ير تاريخ السودان الحديث مثيلاً لها. علها تكون بادرة خير لفتح صفحة جديدة تجعل الاهتمام بالتاريخ والتراث من أولويات هموم الدولة.
وأخيراً هو رأي رميت منه المصلحة العامة وهى كلمة لا خير فينا إن لم نقلها ولا خير فيكم إن لم تقبلوها. والله ولي التوفيق.
(*) د. محمود الشيخ الطيب أحد كوادر الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية، ومن الباحثين الميدانيين المرموقين بالإدارة، كان قد بعث من قبل الإدارة إلى بولندا للتحضير للحصول على درجة الدكتورة في آثار فترة ما بعد مروي - بدايات العصر المسيحي. وقد تم فصله "للصالح العام" وهو في بولندا واستلم خطاب الفصل في الأسبوع نفسه الذى تحصل فيه على الدكتوراة. يعمل حالياً مساعداً لرئيس بعثة الآثار البولندية العاملة في لبنان (أركامانى).
(**) في الواقع أن بيتر شيني عندما تقرر سودنة منصب مدير الآثار والأنثروبولوجيا كتب رسالة الى وزير التعليم التابعة له مصلحة الآثار حينها (السيد على عبدالرحمن الضرير) معترضاً ومطالباص بالابقاء عليه أسوة بمدير الجيولوجيا لعدم توفر سوداني يمتلك المؤهلات التى يشترطها قانون الآثار لشغل المنصب. وتحت اصرار الوزير تم حينها الى اللجوء الى تعيين شخصية غير بريطانية وهو الفرنسي جين فيركوتيه الذى كان يشغل منصب مدير المعهد الفرنسي للآثار الشرقية في القاهرة مديراً لمصلحة الآثار السودانية. وفي عام كتب هذا الأخير رسالة أوضح فيها أن ثابت حسن ثابت قد نال من التدريب العلمي والإداري ما يؤهله لشغل المنصب فتم بالفعل تعيين الأخير كأول مدير سوداني للآثار والأنثروبولوجيا في عام 1959 (أركامانى).
مجلة الآثار│ مجلة الأنثروبولوجيا│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات│تقارير أعمال التنقيب
ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية│الكتاب الكلاسيكيون│تقنيات البحث الآثاري│مشروع الكتاب المنهجي│الببليوغرافيا│الصفحة الرئيسة