ملف إنقاذ تراثنا القومي السودانوي من الإنقاذ
موقع المصورات الصفراء : تعريف موجز
د. أسامة عبدالرحمن النور
|
في عام 1908 كتب المؤرخ الروسي خفوستوف يصف الحوش الكبير في المصورات الصفراء بأنه "أجمل المباني وأكثرها أصالة في هذا العالم الحضاري الأقصى جنوباً". |
تقع
المصورات
الصفراء على
بعد ما يقارب
الـ 180 كيلو متر
شمال شرق
الخرطوم وعلى
بعد حوالي 30 كيلو
متر من النيل وفق
الاحداثيات
: خط
عرض 16° 24’ 47”
وخط
طول 33° 19’ 26”
شرق. تتألف
أطلال الموقع
من معابد من
العصر
المرَّوي، والتى
يعد بعضها من
مفاخر
العمارة
السودانية في
ذلك العصر،
وبقايا أخرى
للنشاط
الإنساني،
مثل الحفائر
الاصطناعية
لتخزين
المياه،
والمحاجر، وجبانات
عصر ما بعد
مروي ومواقع
إقامة، وتقع كلها
في مجال وادي
الصفراء.
المركب
الأساسي للأطلال
هو ما يعرف بـ الحوش
الكبير ويقع
في الجانب
الغربي
للوادي،
وتحيط به ثلاثة
معابد شيد
اثنان منها
على سطح مرتفع
بعلو 3-4
أمتار، وتحيط
بهما صالات
متشابكة.
المعبدان على السطح
المرتفع، ومقدسيهما
الجانبيين
وغرفهما
الاضافية
ترتبط بممرات
منسقة بانحدار
مائل الى
الأسفل يقود
الى الصالات.
يشكل معمار
هذا المركب
الضخم الذى
يغطي مساحة
تزيد على الـ 43.000 متر
مربع، المركب
البنائي
الأكثر
تماسكاً في
وادي النيل فيما
وراء الجندل
الرابع،
ويدلل على تلاقح
الفن
المعماري
السوداني في
العصر
المرَّوي مع
مؤثرات مصرية
وبطلمية وأكسومية
متأخرة.
مأخوذاً ككل
فإن هذا
المركب المعماري
لا نظير له في
وادي النيل. تلك
المعابد
والحوش
الكبير لا
بدَّ وأنها كانت
ذات أهمية
كبيرة للحياة
الروحية
والطقوس الدينية
في مملكة
مروي. ومن ثم
فإن الدراسات
المستقبلية
اللاحقة لهذا
الموقع قد
تمدنا بالمزيد
من المعطيات
التاريخية
التى سوف تسهم
في الدور الوظيفي
للمؤسسات
الدينية في
الإمبراطورية
المرَّوية.
بدأت
النشاطات
المعمارية في
المصورات
الصفراء فيما
هو محتمل منذ
عصر نبتة
المبكر، أي في
بداية القرن
الثامن قبل
ميلاد السيد المسيح
عليه السلام.
وقد كتب
البروفسور
هنتزا في عام 1970 نبذة
مختصرة للتسلسل
الزمني (الكرونولوجي) للحوش
الكبير. لكن
للأسف لم يتم
الكشف بعد عن
تلك المباني
المبكرة.
الجزء
الأساسي
للأطلال القائمة
حالياً تم
تشييده خلال
الفترتين المرويتين
المبكرة
والوسطى –
وهى فترة
ازدهار موقع
المصورات
الصفراء. الملك
المرَّوي
الوحيد
المشهود له
بنشاط معماري
في المصورات
هو الملك
ارنخماني (حوالي
235- 218 ق.م.).
خلال العصر
المرَّوي
المتأخر
انحصرت النشاطات
المعمارية في
أعمال
الترميم
والصيانة ولا
توجد حالياً
بينة آثارية
دالة على
نشاطات تشييد
جديدة في
الموقع. بعد
إنهيار مملكة
مروي فقد تمت
إعادة
استخدام بعض
بقايا المبنى في
عصر ما بعد
مروي وفي
العصر
المسيحي.
كان
لينان دي
بلفوند وفردريك
كايو أول
الرحالة
الأوربيين
الذين زاروا المصورات
الصفراء
وسجلا وصفاً
لها. وقد قامت البعثة
الملكية
البروسية
التى ترأسها
لبسيوس (1845-1842)
بتسجيل الموقع
وتوثيقه
بصورة علمية.
وبدأت أعمال
الاستكشاف
والتنقيب
الآثارية
الميدانية عن
طريق “بعثة
البطانة
لمعهد
الدراسات المصرية
التابع
لجامعة
همبولدت في
برلين” تحت اشراف
البروفسور
هنتزا. وقد
أجريت أعمال
التنقيب في
الحوش الكبير
خلال الأعوام 1964- 1968 مع
التشديد على
المسطح
الأوسط، فيما
صار يعرف بـ
"المقدس
الغربي"، وفي
ممره وكذلك في
المباني
الأخرى في
المركب الذى
أعطي الرمز 500
بالاضافة الى
مركب المعبد
الذى نال
الرمز 200. قدمت
تلك الأعمال
للمرة الأولى
توثيقاً لمعمار
الحوش الكبير
يقوم على أساس
السجل الآثاري.
وفوق ذلك تم
انشاء اطار للتسلسل
الزمني
بتقسيم تاريخ
مبنى الحوش
الكبير الى
ثمان مراحل،
وتحديد تاريخ
فترة المبنى
السادس بعهد
الملك
أرنخمانى. وقد
تم تفسير
الموقع بوصفه
مركزاً
دينياً
ومزاراً
للحجيج. ورغم
أن جزءاً
معتبراً من
الأطلال
لازال بعيداً
عن الاستقصاء ومن
ثم لازالت
قائمة إشكاليات
تتعلق بالتسلسل
الزمني
ومعمار
ووظيفة الحوش
الكبير
وتاريخه، فإن
أعمال
البوفسور
هنتزا وضعت
أساساً
للدراسات
المستقبلية
لهذا الموقع
الهام.
منذ
عام
1993
بدأ العمل
مجدداً في
الموقع "بعثة
معهد الآثار
السودانية
والمصرية في
جامعة همبولدت"
برئاسة
البروفسور
فينيج بهدف
اجراء اختبارات
للتوثيق
المساحي
الضوئي للحوش
الكبير ولحالة
المبنى،
بالاضافة الى
الاستمرار في التوثيق
التفصيلي
لمعمار المسطح
الأوسط
وأعمال
التنقيب في
الجزء الشمالي
الشرقي التى
بدأت في
الفترة
السابقة. وقد
كشفت هذه
الأعمال
الجارية عن
عناصر بنيوية
لافتة
للإنتباه مثل
منظومة تصريف
المياه في
السطح الأوسط.
وقد بدأت البعثة
بمساعدة
متخصصين في
الايكولوجيا
القديمة،
والتربة،
وعلم الحيوان
في تطوير
الدراسة
للموقع بغرض
إعادة تركيب
الظروف
المناخية والايكولوجية
لوادي
الصفراء خلال
عصر مملكة
مروي. هذا
وبدأت مجدداً
أيضاً
ولازالت
جارية أعمال
التوثيق
للكتابات
المنقوشة (الابيجرافية).
قطعاً
فإنه ومع هذا
الحجم من
الأعمال التى
تم تنفيذها
لايزال موقع
المصورات
الصفراء يعد بكراً
ويحتاج
للمزيد من
الجهد البحثي
الميداني
والمكتبي. يحتاج
وادي
المصورات الى
اجراء عملية
مسح جيوديسي
وطبوغرافي،
ودراسة جيوفيزيائية
لصالات الحوش
الكبير. كذلك
لا بدَّ من
توسيع
الدراسة
الميدانية
لتشمل
التنقيب في
مراحل البناء
المبكرة
للحوش الكبير
والكشف عن
بقايا
المباني
القديمة التى
لم تتأثر بفعل
أعمال
التشييد في
العصر
المرَّوي،
هذا بالاضافة
الى التشديد
على دراسة
الوظائف
الاقتصادية للمعبد
وتطورها عبر
الأزمان.
في
عام 1997
تم الكشف عن
الحديقة
المقدسة
للمعبد
المركزي، وهو
اكتشاف رائع
سنقوم بترجمة
التقرير الذى
كتبته البعثة
التى أجرت
التنقيب
ونشره ضمن هذا
الملف الخاص. الى
جانب ذلك تم
الكشف عن ورشة
لتصنيع
الأواني
الفخارية في
الجزء
الشمالي
للحوش الكبير.
إن أهمية مركبات
الموقع
تتجاوز حدود
المصورات
الصفرراء بالنسبة
لتاريخ
الحضارة
السودانية
القديمة.
حالياً أصبح العمل الآثاري بدون أعمال ترميم وصيانة مرافقة له خطوة بخطوة من الجرائم العلمية. إلا أنه وفيما يبدو أن المؤسسة غير المتخصصة المسماة بـ "معهد حضارة السودان" قد استن علماً جديداً للآثار وصيانتها وترميمها، ألا وهو تشييد المباني وحفر الآبار وإقامة المساجد داخل الموقع الآثاري!!
مجلة الآثار│ مجلة الأنثروبولوجيا│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات
ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية│الكتاب الكلاسيكيون│تقنيات البحث الآثاري│الثقافات الأفريقية│الببليوغرافيا│الصفحة الرئيسة