|
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية |
|
ترجمة عبدالإله الملاح
مراجعة د. أحمد السقاف و د. حمد بن صراي
المجمع الثقافي، أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، 2001
الكتاب الثاني
الصفحات 144-146
الحق أنني لم أجد أحداً ممن تحدثت إليهم، مصرياً كان أم ليبياً أم إغريقياً، يملك أي قدر من المعرفة بمنابع النيل، سوى ذلك الكاتب، حافظ سجلات كنوز معبد أثينا في مدينة سايس المصرية. ولكن بدا لي حتى هذا الشخص، على ادعائه بسعة المعرفة رجلاً لا يطمئن إلى دعاواه. فقد أخبرني أن بين ساينى، بالقرب من طيبة والألفنتين، جبلين شكلهما مخروطي يعرف أحدهما بجبل كروفي والآخر موفي، وبينهما توجد منابع النيل تتفجر من أعماق سحيقة، ويتجه نصف الماء شمالاً نحو مصر، والنصف الآخر يمضي جنوباً إلى إثيوبيا وقد قال إن ما يثبت أن منابع النيل لا قرار لها ما فعله ملك مصر بسامتيك حين حاول قياس عمق غرارها بحبل طوله عدة آلاف قامة (القامة ستة أقدام) فلم يبلغه. ويرجح لديّ أنه، إذا كان لهذه الرواية أي قدر من الحقيقة، فهي دليل على وجود دوامات وتيارات قوية في الينابيع، سببها ارتطام المياه بالجبال، مما حال دون بلوغ نهاية الحبل قاع الينبوع.
وكان هذا غاية ما بلغني من أمر ينابيع النيل من الرواة. وإني إنما تحدثت عن المنطقة حتى ألفنتين بلسان شاهد العيان، أما جنوب تلك الناحية فقد تحدثت عنه كما بلغني برواية الرواة. وجل ما بلغ علمي أن الأرض تعلو بعد ألفنتين ولا بدًّ من ربط جانبي القارب هناك بحبل، فيكون كاللجام للثور، لئلا يفلت ويطيح به التيار. وهكذا تمضي الرحلة طوال أربعة أيام، يتسع النهر بعد\ها ويغدو كنهر المايندر. وطول المنطقة اثنتا عشرة شوينة. وهنا تبلغ سهلاً فسيحاً منبسطاً، يتفرع فيه النيل إلى فرعين، عند جزيرة تدعى تاكومبسو. والمنطقة جنوب ألفنتين مسكونة بالإثيوبيين الذين يملكون أيضاً نصف جزيرة تاكمبسو والنصف الآخر للمصريين.وما وراء الجزيرة ثمة بحيرة كبيرة يسكن على ضفافها البدو الإثيوبيين. وإذا تجاوزت البحيرة عدت ثانية إلى مجرى النيل الذى يصب عندئذ في البحيرة. وهنا تحط أحمالك وتمضي أربعين يوماً سيراً على ضفاف النهر، لتعذر ركوبه بسبب الصخور التى يظهر بعضها فوق الماء، وبعضها الآخر يبقى تحت الماء، فإذا تجاوزت ذلك القسم من النهر خلال أربعين يوماً انتهى بك المسير، لتركب القارب ثانية وتمضى اثني عشر يوماً آخر لتصل إلى بلدة عظيمة تسمى مروي التى يقال أنها عاصمة الإثيوبيين وهؤلاء يعبدون إلهين، دون سواهما، زيوس (آمون) وديونيسوس ( أوزريس). ولهذين الإلهين عند الإثيوبيين أعظم مقام. وقد أقام القوم هناك معبداً لزيوس (آمون). وهو الذى يوجه الإثيوبيين إلى الحرب، فإذا قال العراف بها، حمل القوم السلاح ومضوا حيث أمر.
وإذا غادرت هذه البلدة، وركبت النهر من جديد مدة تعادل الزمن الذى أمضيته للوصول من ألفنتين إلى هذه العاصمة، صادفت "الفارون"، ويعرفون بالأزماخ، ومعنى هذه الكلمة في لساننا الواقفون على يسار الملك. وهؤلاء جنود مصريون، يبلغ عددهم مئتين وأربعين ألفاً، وقد انتقلوا إلى صف الإثيوبيين في عهد الملك بسامتيك. وقصة فرارهم هي كما يلي: أقام المصريون يوم ذاك ثلاث حاميات، احداها في مدينة ألفنتين في مواجهة الإثيوبيين، والأخرى في بيلوسوم ودافناي لمواجهة السوريين والعرب، والثالثة في ميريا، أمام الليبيين. وما زالت هذه المواقع قائمة في أيامنا، ويقوم عليها الفرس، ولهؤلاء قوات مقيمة في دفناي وألفنتين. ولقد صادف أن إحدى هذه الحاميات ظلت تخفر الموقع، دونما استبدال طوال ثلاث سنوات، فكان ذلك سبباً في ثورة الجند والرحيل إلى إثيوبيا. فلما بلغ خبرهم بسامتيك جهز حملة لمطاردتهم. وكان أن جرت له مقابلة معهم، وحاول حملهم على العودة ثم استرضاهم، ورجاهم ألا يتخلوا عن آلهة بلدهم ويهجروا أزواجهم وأولادهم. فرد عليه أحدهم، وأشار بيده إشارة غير لائقة، قائلاً :"كلا، إننا لن نعود، والنساء لا ينضبن فهن كثيرات، ولا ريب أننا واجدون أزواجاً وأطفالاً لنا حيثما حللنا". ولما بلغ هؤلاء الجند أرض إثيوبيا وضعوا أنفسهم في خدمة الملك، فأقطعهم أرضاً كانت لبعض الإثيوبيين الذين فقدوا الحظوة لديه، وأمرهم بطرد سكانها لتكون لهم. وكان من شأن هذه المستوطنة أن جعلت أخلاق المصريين وعاداتهم تشيع بين الإثيوبيين وتهذب من طباعهم وأساليبهم في الحياة.
وهكذا عرفنا مجرى النيل في مصر، وعلى مدى رحلة من أربعة أشهر، إن في ركوب النهر أو المسير براً، بعد حدود مصر، وهو الزمن الذى تستغرقه الرحلة من ألفنتينا حتى بلاد الفارين. والنهر يتجه هناك من الغرب إلى الشرق. أما بعد ذلك فليس ثمة من يملك معلومات مؤكدة عن أحوال البلاد، إذ أنها تخلو من السكان، فلا يستقر فيها إنسان لشدة الغيظ فيها.
الكتاب الثالث
الصفحات
كان قمبيز قد خطط لثلاث حملات: الأولى ضد القرطاجيين، والثانية تتجه إلى الأمونيين، والثالثة إلى الإثيوبيين المعمرين الذين يعيشون الجزء من ليبيا الذى يجاور المحيط الجنوبى. وقد اعتزم أن يرسل أسطوله لمحاربة قرطاجنة، وجزءاً من قواته البرية للهجوم على الأمونيين، أما بالنسبة للإثيوبيين فقد قرر إرسال الجواسيس بحجة تقديم الهدايا لملك إثيوبيا، في حين أن الغرض الحقيقي وراء ذلك جمع أكبر قدر من المعلومات، لكنه أراد بشكل خاص معرفة ما إذا ما كان يطلق عليه "مائدة الشمس" حقيقة أم لا. وقصة مائدة الشمس أن هناك مرجاً يقع في أطراف المدينة، يحتفظ فيه بمئونة كبيرة من اللحم المسلوق من أنواع الحيوانات كافة، ومن واجب الحكام المحليين سلق اللحم ووضعه هناك في الليل، وفي النهار بمقدور أي شخص أن يتناول ما يشاء من هذه اللحوم. ويقول سكان البلاد أن اللحم يأتي من الأرض بشكل تلقائي وهو هدية الأرض لهم.
بعد أن تقرر إرسال الجواسيس، بعث قمبيز إلى ألفنتين لاستقدام بعض الرجال الايكتيوفاجي (أكلة السمك) الذين يعرفون اللغة الإثيوبية، وفي الوقت ذاته أصدر أوامره للأسطول بمهاجمة قرطاجنة. لكن الفينيقيين رفضوا تنفيذ المهمة، بسبب الأواصر التى تجمعهم بالقرطاجنيين، ولأن شن الحرب ضد أبنائهم إثم شر لا يمكن أن يقترفوه. ولما كانت بقية القوات البحرية أضعف من أن تقوم بالحملة بدون الفينقيين، فقد أفلتت قرطاجنة من قبضة الفرس، إذ أن قمبيز رأى أنه من غير المناسب الضغط على الفينقيين لدفعهم إلى المشاركة فقد كانوا يخدمون في أسطوله طواعية، وقواته البحرية تعتمد عليهم كل الاعتماد. وكذلك القبارصة تبرعوا بتقديم خدماتهم إلى الفرس واشتركوا في الحملة على مصر.
أرسل قمبيز الرجال الذين تم استدعاؤهم من ألفنتين إلى إثيوبيا، وأعطيت لهم التعليمات بما سيقومون به، وحملوا هدايا قمبيز إلى ملك إثيوبيا وكانت ثوباً قرمزي اللون وطوقاً ذهبياً وأساور وعلبة من المرمر بداخلها صمغ المر، وجرة من نبيذ النخيل. ويقال إن الإثيوبيين- محور هذا الاهتمام كله- هم أطول وأجمل شعوب الأرض قاطبة. ويتميزون بقوانينهم وأعرافهم، وأغربها طريقتهم في اختيار ملوكهم، ذلك أنهم يختارون أطول الرجال وأقواهم ليصبح ملكاً عليهم.
وصل سفراء قمبيز أكلة السمك إلى إثيوبيا وقدموا هداياهم إلى الملك ومعها الكلمات التالية: "لقد أرسلنا قمبيز ملك فارس رغبة منه في صداقتكم والتحالف معكم، وهذه الهدايا التى حمًّلنا إياها أحبها إلى نفسه". إلا أن ملك إثيوبيا كان يعلم أنهم جواسيس، فأجابهم: "لم يرسلكم ملك الفرس محملين بالهدايا لحرصه على صداقتي، لقد أتيتم بهدف جمع المعلومات عن مملكتي، أنكم كاذبون وملككم غير عادل. فلو كان لديه أي احترام لما هو حق، لما اشتهى مملكة غير مملكته، أو استعبد شعباً لم يقترف بحقه أي ذنب. قدموا له هذا القوس وقولوا له إن ملك إثيوبيا ينصحه بأنه عندما يستطيع الفرس شد قوس بهذه القوة وهذا اليسر، فليحشدوا عندها جيشاً من الأبطال الصناديد وليغزوا بلاد الإثيوبيين المعمرين. وإلى أن يحين الوقت فليشكر الآلهة لأنها لم تدخل في عقول الإثيوبيين أمر اجتياح الدول الأخرى". ثم نزع وتر القوس، وقدمه لهم، والتقط الثوب القرمزي وسألهم ماذا يكون وكيف يصنع. ولما وصف له الرجال الصباغ وكيف يكون، علق على ذلك بأنهم مخادعون وهذا الثوب المصبوغ خدعة أيضاً. ثم سأل عن السلاسل الذهبية والأساور، ولما أجابوه بأنها تستخدم للزينة ضحك وقال بأن لديه أقوى منها، لأنه كان يعتقد بأنها قيود. ثم سأل عن صمغ المر، وبعد أن سمع وصفه وطيب رائحته عند التدليك به، كرر لهم ما قاله في الثوب القرمزي. وأخيراً وصل إلى النبيذ وبعد أن علم مراحل تصنيعه، شرب بعضاً منه فوجده لذيذ المذاق. ثم سألهم عما يأكل ملك الفرس؟ وما هو أقصى عمر يبلغه المعمر في بلاد فارس؟ ولدى سماعه وصف الطبيعة هناك وزراعة القمح، وأن ملك فارس يتناول الخبز، وأن الفرس لا يتجاوزون سن الثمانين إلا فيما ندر ، قال انه ليس من المستغرب وفاة أي شخص يتناول الروث في سن مبكرة كهذه، وأضاف أنه ما من شك في وفاتهم في سن أبكر لولا هذا الشراب الذى يمدهم بالطاقة، وهنا أشار إلى النبيذ، وهو الشئ الوحيد الذى أقر للفرس بالتفوق فيه. وسأل المبعوثون بدورهم الملك عن سن الوفاة في إثيوبيا وماذا يأكل الشعب؟ فقيل لهم أن معظمهم يعيش ليبلغ المائة والعشرين، وان بعضهم يتجاوز ذلك، وأنهم يأكلون اللحم المسلوق ويشربون الحليب. ولما أعرب الرجال عن دهشتهم في أن يتمكن الإنسان من بلوغ مثل هذه السن المتقدمة، اصطحبهم إلى نبع تفوح منه رائحة البنفسج وتجعل بشرة المستحم في مياهه تتلألأ وكأنه استحم بالزيت. ويقال أن مياه هذا النبع قليلة الكثافة لدرجة انه ما من شئ يطفو فوق سطحها، بما في ذلك الخشب أو أي مادة أخف منه، إذ تغوص جميعها إلى الأعماق. فإذا كانت هذه الرواية صحيحة فإن استخدام الإثيوبيين المستمر لهذه المياه هو ما يجعلهم يعمرون. بعد زيارة النبع قادهم الملك إلى السجن حيث شاهدوا السجناء مقيدين بالسلاسل الذهبية، ذلك أن البرنز في إثيوبيا هو المعدن الأكثر ندرة والأغلى ثمناً. وبعدها ذهبوا إلى معاينة مائدة الشمس.
وفي النهاية تم اصطحابهم لرؤية التوابيت، والتي يقال إنها مصنوعة من زجاج الكريستال، وفي الدفن يقومون بتجفيف جثمان الميت إما بالطريقة المصرية أو ربما بطريقة أخرى، ثم يحاط الجثمان بالجص الملون ليصبح مشابهاً للشخص في حياته، ثم يوضع في اسطوانة من الكريستال مجوفة من الداخل وتغلق بإحكام. والكريستال متوفر لديهم بكميات كبيرة ويصنعونه بسهولة. ويمكن رؤية الجثمان بوضوح داخل الأسطوانة، ولا توجد رائحة كريهة، أو ما يدعو للإزعاج، ويقوم أحد أبناء عمومة المتوفى بالاحتفاظ بالأسطوانة في منزله لمدة عام كامل، ويقدم لها بواكير الفاكهة والأضحيات، وبعدها توضع بالقرب من المدينة.
بعد ما رأى الجواسيس كل ما استطاعوا رؤيته، عادوا إلى مصر لتقديم تقريرهم الذى أغضب قمبيز لدرجة أنه بدأ زحفه باتجاه إثيوبيا، دون أن يهتم بتوفير المئونة لجيشه، أو يفكر بأنه سوف يأخذ رجاله إلى آخر الدنيا؛ فسماعه هذا التقرير قد أفقد\ه عقله تماماً. مثل رجل مصاب بلوثة ذهب على رأس قوة من الجنود المشاة تاركاً وراءه الجنود الإغريق الذين كانوا يخدمون تحت إمرته. وعندما وصل إلى طيبة، أرسل قوة من خمسين ألف رجل للهجوم على الأمونيين واستعبادهم، وإحراق معبد زيوس (آمون). ثم تابع مسيره إلى إثيوبيا ومعه بقية قواته، الذين نفدت مئونتهم بعد أن عبروا خمس المسافة التى تفصلهم عن إثيوبيا. فاضطر الرجال إلى قتل دوابهم لتأمين الطعام إلا أنها نفدت هي الأخرى. ولو أن قمبيز عندما رأى هذا الوضع قد عاد أدراجه، لأظهر شيئاً من الحكمة بالرغم من الخطأ الأساسي الذى ارتكبه، إلا أنه لم يهتم بما حدث واستمر في تقدمه، وللبقاء على قيد الحياة اقتات الجنود بالعشب المتوفر في الريف لكنهم حينما وصلوا الصحراء أصبحوا يأكلون بعضهم إذ يختارون بالقرعة واحداً من بين عشرة رجال ليصبح طعاماً لهم. وكان هذا أكثر من قدرة أي إنسان على الاحتمال، حتى قمبيز نفسه عندما جاءته التقارير بهذا الأمر، تخلى عن فكرة الحملة على إثيوبيا وقفل راجعاً ووصل طيبة بعد أن تقلصت قواته إلى حد كبير. ومن طيبة ذهب إلى ممفيس وسمح للإغريق بالإبحار إلى وطنهم. وهكذا انتهت الحملة على إثيوبيا.
مجلة الآثار│مجلة الأنثروبولوجيا│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات│ما قبل تاريخ الصحراء الليبية
ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية│الكتاب الكلاسيكيون│تقنيات البحث الآثاري│الثقافات الأفريقية│الببليوغرافيا│الصفحة الرئيسة
|
|