مشروع أركامانى لنشر الكتاب المنهجي

محاضرات في منهج البحث التاريخي: من التقنيات الى المنهج

 

 

مقدمة

 

ليس من علم حاز على الإطراء وتعرض في الآن نفسه للنقد أكثر مما حازت عليه وتعرضت له كتابة التاريخ. ادعى شيشرون ان التاريخ يعلم الناس كيف يعيشون، ذلك في حين أنكر أرسطو تسمية العلم على التاريخ حيث عدَّ الشعر الحكمة العليا. نسب للتاريخ في أوقات دور ريادي أحياناً، ودور دوني أحياناً أخرى في التسلسل الهرمي للعلوم. لا زالت مستمرة المناظرة حول التاريخ.. موضوعات عديدة عرضة للرهان. اللافت للانتباه ان المؤرخين العرب، فيما هو واضح، آخر من يشترك في الصراع الدائر حول التاريخ. فيما ندر يفتح المؤرخ الأكاديمي باب حجرة دراسته ليشترك في العراك الصاخب حول معنى التاريخ. غالباً يغلق بابه منكفئاً على دراسته غافلاً حقيقة أنه مع مرور الوقت قد تتباعد الهوة بين عمله العلمي والمستمعين. لا ينأى المؤرخ الأكاديمي بنفسه، لكنه يختار ميدان معركته. ما يقف من أجله، قطعاً، هو الحقيقة التاريخية والنزاهة في تقديم الماضي ممتلئاً ثقة بأنه على الدرب الأمثل لخدمة المجتمع. منشغلاً بهذه المشكلة يترك للآخرين التناطح حول التاريخ علماً. تحسم القضايا خلف ظهره، مع أنه من خلال عمله اليومي يوفر البراهين لكافة المتناطحين. حيثما يقرر الانخراط في الصراع يعجز عن ملاحظة محدودية مشاركته حيث لغة تحدثه مختلفة. هل للمؤرخ الأكاديمي ان يعدل سلوكه تجاه المناظرة حول التاريخ أم أنه، كما يقول بعض الرواد، ليس باستطاعته الانخراط في معركة ذات وجهين؟

 

 

 

أي دور مطلوب من التاريخ الأكاديمي* ان يلعبه في المناظرة حول التاريخ علماً؟ تجاهله لها غير ممكن، تفريغ جل وقته لها استحالة. إبداء موقفه حيال المناظرة، على كل، ممكن من خلال عمله اليومي تجسيداً للموقف. نرى ان موقفاً كهذا قد يمنح التاريخ الأكاديمي صموداً دفاعاً عن موقفه في الوقت نفسه الذي يسمح له بإنجاز عمله في تشييد البناء الأساسي للمعرفة المستند إليها التاريخ.

 

 

 

يبدو لنا ان الوقت قد أزف للتاريخ الأكاديمي للإسهام في تشكيل مخاض المناظرة حول التدوين التاريخي. ان القناعات الدهرية الخاصة بالبناء الهرمي للعلوم آخذة في الانهيار في الوقت الراهن حيث لم يعد مفترضاً وجود نموذج واحد لمجمل العمل العلمي تخضع له بالضرورة العلوم الأخرى. لقد تفسخت مثل هذه القناعات ببطء اذ ان انحلالها كان قد بدأ في وقت مبكر من القرن التاسع عشر بتقديم البرهان على وجود مناطق فاقدة للدقة، بما في ذلك مجال الرياضيات، يسودها التفكير الحدسي. شكلَّ ذلك البرهان دافعاً لإجراء دراسة شاملة لمناهج الرياضيات (د. هيلبيرت). تلت ذلك سلسلة خطوات، بما في ذلك نظرية جودل وبراهين أخرى تشير الى وهمية القناعة بإمكانية وجود لغة دقيقة بالغة الكمال. انهار البرنامج الجذري الفيزيائي هو الآخر. أثبتت هذه الفكرة، الجذابة ردحاً من الزمن، والهادفة بناء علم موحد استناداً الى إخضاع مصطلحات كل العلوم لتلك المستخدمة في الفيزياء، عدم جديتها.

 

 

 

حفزت القناعة المتزايدة دوماً بعدم وجود علم نموذجي البحث التجريبي في فروع للمعرفة بعينها. أضحى ممكناً الدعوة الى وحدة العلم، والمطالبة بدقة لغته، وتمَّ في الوقت نفسه الإقلاع عن الدعوة المتعصبة لأي نوع من التسلسل الهرمي المحدد للعلوم. وتؤثر رغبة البحث في منهج العلوم عميقاً في التاريخهذا العلم الذي ظلَّ دوماً عرضة للخلاف. شغل المؤرخون أنفسهم، في عالم سريع التحول والتبدل، بأبحاثهم الجوهرية وطوروا مناهجهم في القرون الأخيرة وتراكم إنتاجهم بوتائر متسارعة. أضحى مؤرخ اليوم المسلح بإنتاج متزايد من مثل هذه الكتابات التاريخية راقية المنهج قادراً على ولوج حلبة الصراع حول "علمية" التاريخ ووضعه. تجاهل المناهج التاريخية الحديثة وإنجازاتها تترك تاريخنا الأكاديمي مواجهاً بالبسمات المتعالية لعلماء الاجتماع الأكثر خبرة وتقدماً منهجياً. التاريخ الأكاديمي لا بدَّ ان يعي أحدث المناهج، حتى تلك التي لا يستخدمها مباشرة. بدون إنجاز هذا الوعي العام لن يحقق التاريخ الأكاديمي تقدماً في وضعه.

 

 

 

تظل خطط التاريخ الأكاديمي الدراسية الخاصة بمناهج البحث التاريخي قائمة على فهم خاطيء يجعل من كتابة التاريخ، عن وعي تام بمنهج البحث المستخدم، مهمة شاقة وعسيرة. شائع الفهم للمنهج التاريخي نسقاً منتظماً للصيغ التي تجعل من الصعب حسم قضايا معقدة. تبدو مسألة المناهج ذات أهمية في حالة قضايا بعينها، مناهج محددة تستخدم في بحث قضايا معلومة وتعد ضرورية فقط طالما أنها ذات فائدة مباشرة لقضية بعينها. من هنا الاهتمام الذي توليه خطط التاريخ الأكاديمي لمناهج البحث المنحصرة في دائرة إشكالات تمَّ تثبيتها في كتابات مؤرخينا العرب في القرن الثالث الهجري هيمنت عليها موضوعات تقنية الطابع مثل نقد الخبر وما يتفرع عنه من نقد للسند ونقد للمتن.

 

 

 

التاريخ قديم ومتغطرس بإنجازاته أصبح في حالة تراجع أمام علم الاجتماع في مجال العروض النظرية بنيوية الطابع. حُرم التاريخ من أحد عناصره الأساسية الضرورية لتفسير لغز التطور التاريخيذلك ان تفسير النظام الاجتماعي لا يشترط معرفة المراحل المختلفة التي مرَّ بها في لحظات زمنية متعاقبة فحسب (فذلك لا يوضح سوى تحولاته) وإنما معرفة بنية النظام أيضاً. في التاريخ، كما هو الحال في أي علم، يبدو أنه لا مفرَّ من تعاطي كل من البحثين التجريبي والنظري.. الروابط وشيجة بين كل من الرصد (الممارسة) والتفسير (النظرية).. الفصل بينهما في البحث العلمي كلياً أمر غير ممكن.

 

 

 

شكلَّ الكتاب المقدم مخاضاً لتأملات حول وضع البحث التاريخي كما يمارسه طلاب التاريخ عندما يشرعون في استكمال متطلبات دراستهم العليا ويجدون أنفسهم مواجهين بمهمة إجراء بحوث أصيلة. حينها يكتشفون حقيقة "غربتهم"، حقيقة انهم غير مسلحون أدواتياً وغير مدربون تقنياً. إبعادا للمخاطر التي يتعرضون لها على التاريخ الأكاديمي ان يتجنب إتباع خطى التاريخ الأوروبي المميز للقرن التاسع عشر الذي اقترب، بابتعاده عن التركيبات النظرية الخلدونية التي ميزت التدوين التاريخي النهضوي، من التوجه ألتحصيلي ليجد نفسه في مواجهة علم الاجتماع الناشيء. على التاريخ الأكاديمي الا يتناسى أو يتجاهل حقيقة ان علماء الاجتماع ظلوا يتطورون على ذات الأرضية التي قطف ثمارها مؤرخنا العربي الرائد ابن خلدون في أزمان سبقت. لا بدَّ أن يكون الهدف واضحاً.. تدريب باحثين مؤرخين أكثر وعياً منهجياً بما يمكنهم من متابعة ما يجري في العلوم ورؤية مكامن الخطر ومداه. ليست القضية سيادة هذا أو ذاك من العلوم على الأخرى، كما ولا تكمن المسألة في تحديد أي من العلوم الاجتماعية يقدم طرحاً مكتملاً لدراسة المجتمع: هل هو التاريخ أم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، أم علم النفس الاجتماعي؟ الدعوة الى وحدة العلوم مأخوذة تسلسلاً هرمياً للعلوم تستبدل بالدعوة الى تكامل العلوم مع افتراض الوضع المتساوي لكل العلوم وإقامة الجسور بينها. التاريخ لا بدَّ ان يجد مكانته المناسبة وسط الكم الهائل من العلوم.

 

 

 

يتوجب علينا ونحن بصدد تناول المنهج التاريخي تعريف الأبعاد الخصوصية للاهتمامات المنهجية وأنواع البحث المستخدمة فيه بالرجوع الى المنهج العام للعلوم والى تحليل مجالات البحث التاريخي، وهو ما قمنا به في الفصل الثالث لهذا الكتاب. تناولنا في الفصلين الأول والثاني طبيعة المصادر الآثارية المادية والمصادر التاريخية الوثائقية وتفسيرها.

 

 

 

استند الكتاب الى خبرة المؤلف في تدريس مناهج البحث التاريخي لسنوات طويلة لطلاب الدراسات العليا بكلية العلوم الاجتماعية التطبيقية بجامعة الفاتح.. لذلك فان المؤلف يدين بقدر كبير من الفضل لطلابه الذين أسهموا - بأسئلتهم وإجاباتهم - بتوجيه الجانب الأكبر من جهدنا وفي تحفيزنا لصياغة المحاضرات بصورتها النهائية المبلورة في هذا الكتاب.

 

 

 

ولا يسع المؤلف هنا إلا أن يعبر عن امتنانه لزميله الدكتور محمد على عيسى، أستاذ التاريخ القديم بقسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة الفاتح، على ما تكبده من مشقة الإطلاع على مسودة الكتاب وعلى ما أبداه من ملاحظات أسهمت في صدور الكتاب بصورته الماثلة. غير أني وأنا اشكره على ما قدمه لي من فضل أودُ أن يكون مفهوماً أنه غير مسئول عن أي شيء في هذا الكتاب فقد اتبعت سبيلي الخاص في عمل هذا الكتاب سواء أكان ذلك للأحسن أم للأسوأ ولا أريد له ان يتحمل وزر العواقب في عمل قمت به.

 

 

 

وشكري وعرفاني لزميلي الدكتور ليش كرزنياك، من متحف بوزنان للآثار ورئيس البعثة البولندية لآثار ما قبل التاريخ العاملة في الكدرو- السودان، على تفضله بتوفير كتابي جيدمين الذين نشرا بالإنجليزية فى بوزنان- بولندا، وقد أفاد منهما الكتاب بأكثر مما هو مبين في الهوامش.

                                                        اسامة عبدالرحمن النور

                                                    ( طرابلس - نوفمبر/1999م )

 

* بالتاريخ الأكاديمي الإشارة الى التاريخ كما تعكسه المناهج الدراسية في أقسام التاريخ بالجامعات والمعاهد العليا في السودان ومعظم الدول العربية.

 

تابع التمهيد: طبيعة المصادر التاريخية


المحتويات الشاملةنصوص ملوك كوشمؤتمرات علميَّةعرض الكتب والدراساتتقارير أعمال التنقيبملوك وملكات كوشالديانة الكوشية

الكتاب الكلاسيكيونإصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانيةالببليوغرافيامعرض الآثار السودانيةكوش الجديدةالصفحة الرئيسة