![]() |
مشروع أركامانى لنشر الكتاب المنهجي |
محاضرات في منهج البحث التاريخي: من التقنيات الى المنهج
تمهيد
طبيعة
المصادر
التاريخية
يبدو ان عبارة لانجلوا وسينوبس "التاريخ يصنع من وثائق" هي خير ما نستهل به سلسلة هذه المحاضرات عن تقنيات البحث التاريخي ومناهجه. يقول لانجلوا وسينوبس أنهما يشيران بالوثائق الى "الآثار التي خلفتها أفكار أسلافنا وأفعالهم". ويعتقدان بأن التاريخ، خلافاً لكل العلوم الوصفية الأخرى، "يدرس في آن واحد نوعين من الوقائع المختلفة كل الاختلاف: وقائع مادية تعرف من خلال الحواس (أحوال مادية وأفعال الإنسان)، ووقائع ذات طبيعة نفسانية (عواطف وأفكار ودوافع) لا يدركها إلا الشعور ولا مجال الى إهمالها طالما إنها توحي للناس بسلوكهم وتقتاد أفعالهم الحقيقية. وبما ان الوقائع هي أحداث ماضية، أي أحداث وقعت في زمان مضى، فان ملاحظتها لا يمكن ان تتم بصورة مباشرة وإنما يتم ذلك بصورة غير مباشرة من خلال ما خلفته تلك الأحداث من آثار دالة عليها. ويلاحظ ان الوقائع التي يتعامل معها المؤرخ تنقسم الى نوعين: الموضوعات المادية التي كانت ذات صلة بالناس، والنقول الشفوية والمكتوبة التي مرت من خلال وسيط نفساني - اللغة، مضافاً إليها في حالة النص، علامة مكتوبة من نوع نفساني"(1).
هذا
التنصيص
الطويل الذي
بدأنا به إنما
يعبر بوضوح عن
طبيعة
المعرفة
التاريخية
المعقدة، ومن
ثمَّ طبيعة
المصادر
التاريخية
التي ارتأينا
ان نستهل بها
هذه السلسلة
من المحاضرات
حول بعض
تقنيات البحث
التاريخي
وإجراءاته.
المصادر
الآثارية
والمصادر
التاريخية
من الوهلة الأولى يبدو ان فرعي المعرفة: علم الآثار والتاريخ يظهران قدراً من الاختلاف. عادة ما يتم تدريس المادتين بانفصال عن بعضهما الآخر. بالطبع لا غضاضة في ذلك طالما ان التدريب الأكاديمي للمهنتين يتسم بطابع تخصصي للغاية وطالما ان الارتباط بينهما ليس أمراً مألوفاً. لماذا، إذن، والأمر كذلك جعلنا تناولهما معاً نقطة انطلاق لهذه السلسلة من المحاضرات عن بعض تقنيات البحث التاريخي؟
على الرغم من ان هاتين المهنتين تظهران اختلافات واضحة من حيث طريقة التناول، والمادة الخام، والمناهج، فان المهنتين تتعلقان كلتيهما بأمر رئيس واحد هو الحياة الإنسانية في الماضي. تمثل هذه الحقيقة في حد ذاتها عنصراً كافياً للوصل بين المهنتين. ان عالم الآثار وكذلك المؤرخ يتعامل كل منهما بمعدلات متزايدة باطراد مع المراحل الإنسانية نفسها، ومع الجماعات الإنسانية ذاتها. وعلى الرغم من ان علماء الآثار قد تعاملوا في السابق تقليدياً مع مرحلة ما قبل التاريخ بصورة رئيسة، فإنهم يتعاملون اليوم مع مراحل لاحقة أيضاً ظلت في الماضي مجالاً مغلقاً على المؤرخين وحكراً لهم. نجم ذلك عن حقيقة ان الكثير من المعلومات عن المراحل التي أعقبت مرحلة ما قبل التاريخ لا تزال تؤلف لغزاً لم يتم الكشف عن كنهه بعد، أو ان ذلك قد تمَّ بصورة جزئية من خلال الوثائق. إضافة فانه في حال الكشف عن بينة وثائقية جنباً الى جنب مع بينة آثارية مادية تسلطان الضوء على الموضوع نفسه فانه لا بدَّ وان تنشأ ضرورة التنسيق بهدف الوصول الى الحقيقة كاملة بدلاً عن اللجوء الى أسلوب المعالجة الأحادية القائمة على أساس: إما التاريخ أو علم الآثار. من هنا ضرورة إنجاز تركيب لنوعي البينة: التاريخية الوثائقية، والآثارية المادية وهو ما يتطلب وجود فهم متبادل، وكذلك اعتراف متبادل دون مساس بالاختلافات التي لا يعترينا شك في وجودها بين نوعي البينة.
وعلى ضوء التداخل والتشابك الكرونولوجى ومحاولات بعض الباحثين الوصول الى تركيب نوعي البينة التاريخية الوثائقية والبينة الآثارية المادية فانه يتبدى لنا ان هذه هي اللحظة الأكثر ملاءمة لمناقشة العلاقة بين علم الآثار والتاريخ. ما هي على سبيل المثال البينة الآثارية؟ ما هو ما يجعلها مختلفة عن نظيرتها التاريخية الوثائقية؟ ما هي أسس التحليل التي يعتمدها كل من عالم الآثار والمؤرخ في معالجة كل منهما لمادته الخام؟ هل يختلف هدف عالم الآثار النهائي عن هدف المؤرخ؟ هل من الممكن دمج النوعين من البينات بصورة معقولة؟ قبل الشروع في محاولة الإجابة على مثل هذه التساؤلات وغيرها قد يكون من المفيد تحديد المصطلحات بدايةً.
اقتنى التاريخ كمصطلح عدة معاني في الاستخدام الشائع. لقد برز معنيان للكلمة "تاريخ": المعنى الأول بحسبان التاريخ سرداً للأحداث، رواية أو قصة حقيقية كانت أم خيالاً، أي ان المصطلح "تاريخ" ارتبط بداية بصورة أوثق بأحداث معاصرة وجدت انعكاساً لها في رؤية شهود عيان. المعنى الثاني-أكثر ضيقاً- يشير الى رؤية الماضي الإنساني أو سجله الذي هو، ظاهرياً على الأقل، حقيقة. يقوم المؤرخ بإنجاز هذا الوصف التركيبي لأحداث الماضي… هذا المعنى الأخير هو الشائع حالياً للكلمة "تاريخ"، وبهذا المعنى فان التاريخ يشمل عمل كل من علماء الآثار والمؤرخين على حد سواء طالما أنهم يسهمون جميعهم في تركيب الحياة الإنسانية في الماضي (غض النظر عن كونهم يستخدمون أنواعاً من البينات مختلفة).
في الآونة الأخيرة جرى في التداول معنىً أكثر تخصصاً، رغم انه نادراً ما يوجد في المعاجم، يشير الى دراسة الماضي الإنساني من المصادر الوثائقية فقط. ويشار بالوثائق الى كل المصادر المكتوبة مخطوطة كانت أم مطبوعة أم منقوشة. بالطبع فان هذا في الأساس مجال عمل المؤرخ العادي الذي تنحصر مهمته في تفسير البينة المكتوبة أو الشفهية.
يستخدم المعنى الأخير للكلمة من قبل علماء الآثار عندما يشيرون الى ما قبل التاريخ، والتاريخ البدائي وما الى ذلك. بهذا المعنى فان التاريخ يعني السجلات المكتوبة الخاصة بالمجتمعات غير الأمية أو بجيرانها الأميين. كانت دراسة الماضي الإنساني قبل اختراع الكتابة ممكنة فقط من خلال الآثار المادية. ويشير بعض علماء الآثار بمصطلح ما قبل التاريخ الى كافة المجتمعات التي وجدت قبل ظهور البينة الوثائقية التاريخية في أي مكان، أي تلك المجتمعات التي وجدت قبل خمسة ألف عام مضت حين أخذت في الظهور أولى السجلات المكتوبة في شرقنا العربي. ويطلق علماء آثار آخرون مصطلح مجتمعات ما قبل التاريخ لا على التاريخ العام بصورة شاملة بل طبقاً للظهور المحلي للكتابة. إلا أنه ورغم هذا الاختلاف في وجهات النظر فان علماء الآثار جميعهم يتفقون في القول بأن التاريخ بهذا المعنى يعني السجلات المكتوبة. وهكذا يبدو ان ابتكار مصطلح ما قبل التاريخ في القرن التاسع عشر، حيث يمكن تتبع ظهوره للمرة الأولى في اللغة الفرنسية دون غيرها الى عام 1833 حين استخدمه م.تورنال، عزز التعريف الضيق للتاريخ. بمعنى آخر شجع الناس من ذوي الاهتمام بعلم الآثار، بل ويحتمل أنهم أصَّلوا تعريفاً للكلمة "تاريخ" ذلك أنهم أرادوا التأكيد على الاختلاف الجوهري بين مراحل التاريخ الموثقة كتابياً وتلك الموثقة اللا كتابية (2)
أخيراً هناك استخدام آخر للكلمة "تاريخ" لوصف الوقائع الفعلية في الماضي، أي الماضي في مواجهة تركيبنا له. ورغم ان التاريخ بهذا المعنى غير قابل للتركيب (ذلك أننا لا نمتلك وسائل لمعرفته إلا عبر الوثائق وتفسيرها) فان التمييز هام ويذكرنا بحقيقة ان الماضي لا يمتلك وجوداً موضوعياً إذ انه قياس مثالي للحقيقة التي نتطلع الى الوصول إليها.
اقتنى مصطلح علم الآثار عدة استخدامات في اللغات الأوروبية الأركيولوجيا Archaeology التي تعني دراسة القدم في أصلها الإغريقي القديم. الشيء نفسه بالنسبة لكلمة آثار في اللغة العربية بحيث لا يختلف معناها عن كلمة تاريخ في معناها الواسع بحسبانه دراسة ماضي الإنسان. لكنه منذ القرن التاسع عشر استخدمت كلمة اركيولوجيا بمعنى علم الآثار لوصف ميدان دراسة الأشياء العتيقة. بمعنى آخر فإنها تعني دراسة البينة المادية الدالة على ماضي الإنسان والتي تشمل الموضوعات التي يمكن رؤيتها وتحسسها وقياسها وتصنيفها.
يؤكد هذا التحليل على مشكلة تواجه كل متخصص: عدم دقة اللغة وغموضها. لدى استخدامنا لكلمة ما فإننا نفترض معنىً محدداً لها في حين قد لا يكون ذلك واضحاً للمستمع أو القارئ. يتمثل المزيد من التعقيد في حقيقة ان معنى الكلمات يتغير، ولو ان ذلك يتم ببطء شديد. الأمر كذلك لا بدَّ ان يكون واضحاً في أذهاننا ما نريد ان نوصله للمستمع أو القارئ باللجوء الى استخدام كلمات أو عبارات معينة وان نكون على استعداد، إذا لزم الأمر، على تعريفها. هكذا فانه بالرجوع الى كلمتي تاريخ وعلم الآثار يتضح وجود عدم تتابع في استخدامهما اليوم ... بينما يكتب أستاذ علم الآثار (ستيوارت بيجوت) قائلاً بأن "علم الآثار هو فرع في الواقع للدراسة التاريخية"(3) يعارضه أستاذ التاريخ اتكنسون قائلاً "ليس لدى عالم الآثار سوى القليل الذي يدفعه للادعاء بأنه مؤرخ"(4) الاختلاف بين الإفادتين (والكثير غيراهما) يعتمد على التعريفات المختلفة التي لا تكون واضحة في حالة اقتلاعها من محتواها استشهاداً بها. يعرف الواحد منا، في حالات، أو يخمن المعنى الذي يرمي إليه المتحدث أو المؤلف، لكنه في حالات أخرى يضطر الواحد منا الى تركيز ذهنه على السيميوطيقا (5). وبما ان اللغة متطورة دوماً فان إشكالات المعنى والتعريف ستظل قائمة ذلك أنها جزء من الحياة العلمية لكل متخصص عليه ان يتعارك مع الكلمات. ليس علماء الآثار والمؤرخون في وضع أفضل من الآخرين.
بقبولنا حقيقة ان علم الآثار، بالمعنى الحديث للكلمة، يتعلق بالبينة المادية، يصبح لزاماً علينا متابعة النتائج المترتبة اللاحقة. فالبينة الآثارية يمكن ان تكون أي موضوع ارتبط بالحياة الإنسانية في الماضي. عادة تتألف البينة الآثارية من "مواد صنعية"، أي من منتجات للمهارة الإنسانية. تلك يمكن ان تكون منقولة (فأس يدوية، أدوات للزينة وما الى ذلك) أو غير منقولة (أنظمة الري، أو تلال الدفن...الخ). الأدوات الصنعية يمكن ان تكون مألوفة أو غير مألوفة ونادرة مثل أداة عادية أو منتج فني أو معبد رائع. إضافة فان البينة الآثارية (شريطة ان تحمل مؤشراً واضحاً دالاً على ارتباطها بالحياة الإنسانية) يمكن ان تتألف من موضوعات طبيعية كلياً مثل عظام الحيوانات اللقاحات وطبقات الأرض بل حتى مناطق محددة من المنظر الطبيعي.
كون ان البينة الآثارية قد تصلح بينةً ذات فائدة لأخصائيين آخرين فذلك يمثل أفضلية ايجابية. فعلى سبيل المثال يمكن ان تعطى عظام الحيوانات التي يتم الكشف عنها خلال أعمال التنقيب ألآثاري بينة جديدة لعلماء الحيوان، كما وقد تعطى لقاحات الحبوب المدفونة في الطمي أو شبه المتفحمة بينة ذات أهمية لعلماء النبات. مثل تلك المصالح المتبادلة تعود فائدتها على الجميع وتمكن المتخصصين من تبادل المعلومات المتحصل عليها بمناهج جد مختلفة مؤكدة على الوحدة الضرورية لكل فروع المعرفة. أصبح واضحاً الآن ان معظم العلوم الطبيعية والفيزيائية والاجتماعية أضحت تهتم أكثر فأكثر بالبعد الزمني. كذلك فان علماء الآثار يلجأون بانتظام الى التقنيات العلمية التي تمكنهم من استخراج أكبر قدر من المعلومات عن الموضوعات المادية التي يكتشفونها. لقد كان هذا هو الحال منذ ميلاد علم الآثار فرعاً مستقلاً للمعرفة في بدايات القرن التاسع عشر.
يمكن ان تكون البينة الآثارية من أية مرحلة سابقة للمرحلة الحالية. ورغم ان علم الآثار اهتم عملياً بمرحلة ما قبل التاريخ وطور تقنياته وحسَّنها في هذا المجال فان الماضي يمكن تعريفه بصورة مقبولة فقط بالرجوع الى الحاضر. من ثم يجوز، منطقياً، تعريف أي شيء بأنه قديم طالما انه صنع قبل اليوم، أو قبل تلك اللحظة المتحركة من الزمن التي نسميها الحاضر. بالتالي يمكن ان نصف بالقدم، منطقياً، كل ما صنع قبل اليوم أو قبل تلك اللحظة من الزمن التي نسميها الحاضر. هكذا فان محطة للبترول أو سيارة جديدة هي نظرياً بينة آثارية تحمل معلومة عن الحياة الإنسانية بالقدر نفسه الذي تمثله التلال الجنائزية القديمة أو رؤوس الأسهم الصوانية. أننا، مثلنا مثل أسلافنا، منشغلين بإبداع سجلنا الآثارى الخاص بنا. ومع مرور الزمن يمكن ان يصبح كل ذلك مادة للدراسة من جانب علماء آثار المستقبل الذين سيسعون الى تسليط الضوء على بعض جوانب مرحلتنا الحالية التي لم تجد انعكاساً لها في ما خلفناه من وثائق مكتوبة. مثالاً لذلك يمكن ذكر السجل الآثارى لقرننا العشرين فيما خلفته الحرب العالمية الثانية على امتداد مغربنا العربي: مدافن الحلفاء والألمان، والمتفجرات المدفونة في باطن ترابنا، وبقايا المدرعات والمجنزرات وما الى ذلك.
وبرغم ان المدى المادي والزمني للبينة الآثارية متسع للغاية فان ذلك لا يعني ان كل جامع للتحف هو بالضرورة عالم آثار. إذا كان هدف جامع التحف، كما هو الحال غالباً، ينصب على الموضوعات نفسها بحسبانها قطع من آلة أو قطع فنية أو نادرة فانه يتصرف، مثله مثل جامع التحف التقليدي الذي يقدر عيناته أكثر من تقديره للمعلومات التاريخية التي يمكن ان توفرها له تلك العينات.
ان البقايا المادية التي خلفها الإنسان هي النقطة المركزية في اهتمامات علماء الآثار. تشكل الأشياء المدركة بالحواس والمصنوعة من الأخشاب والعظام والحجارة والقرون والمعادن الخ. جسم البينة الآثارية. إنها بينة تتحدث عن الماضي الإنساني ويمكن مشاهدتها وتحسسها وقياسها وتصنيفها. لكن دراسة تلك الأشياء المدركة بالحواس ليست هي نهاية المطاف. أنها على الأرجح وسيلة للتوصل الى فهم حقيقة الماضي الإنساني في حدود الأطر التي تسمح بها البينة.
تهدف محاضراتنا في قسمها الأول الى إبراز طابع البينة الآثارية وتوضيح كيفية قراءتها قراءة تفسيرية ومن ثمَّ إعادة تركيبها في عرض تاريخي محكم. بمعنى آخر كيف يتسنى لنا ان نعيد قراءة التاريخ من واقع معطيات السجل الآثارى، وكيف لنا ان نستنطق الموضوعات البكماء مثل شقوف الفخار والآلات والأدوات وحفر الأعمدة لنجعلها تحكي لنا عن الطريقة التي عاش بها الناس في الماضي. كيف يستعيد عالم الآثار بناء السلوكيات والأفكار المتضمنة في مواده المكتشفة؟ يبدو انه لا مناص أمامنا سوى التعامل مع ما قبل التاريخ والاستدلال بمعطيات علماء آثار ما قبل التاريخ. لا نرمي من ذلك الى القول بتطابق علم الآثار مع ما قبل التاريخ، لكن علم الآثار وجد في مجال ما قبل التاريخ المساحة الأمثل للتعبير عن هويته على حد تعبير هاوكز "الوضع المتحرر من النص"(6).
تتكون البينة الآثارية، كما اشرنا، من موضوعات منقولة وأخرى غير منقولة. كل تلك الموضوعات، الكبير منها والصغير، صنعها الإنسان من مواد خام طبيعية، وهي من ثم-من حيث التعريف- مصنوعات، نتاج للمهارة الإنسانية. لكن علينا ان نلتفت أيضاً الى حقيقة ان البينة الآثارية يمكن ان نشتمل موضوعات طبيعية ذات صلة بالحياة الإنسانية. تلك يمكن ان تكون صغيرة نسبياً مثل عظام الحيوانات، ولقاحات النباتات، والقواقع، والأصداف، كما يمكن ان تكون ظواهر مثل الكهوف ومدرجات الأنهار والوديان وما الى ذلك.
بالتالي يبدو ان الاختلاف الرئيس بين التاريخ وعلم الآثار يكمن بصورة أساسية في مادة موضوع بحث كل من العلمين، أي في المادة الخام. ففي حين ينصب اهتمام عالم الآثار على الأشياء بدءاً من الموضوعات الصغيرة انتهاءً بالمحيط الطبيعي برمته، يكون اهتمام المؤرخ منصباً في الأساس على الكتابات. إلا أن التمييز غير المعقد ينطوي في الواقع على نوع من المخادعة. فالتحليل الأكثر عمقاً يشير، بالالتفات الى الطريقة التي يركب بها التاريخ بمعناه الواسع، الى ان الاختلافات بين نوعي البينات لا تبدو مكتملة.
بالتعريف يهتم المؤرخ بالوثائق المكتوبة، لكن السؤال ما هي الوثيقة؟ الوثيقة في صورتها الأصلية هي موضوع مادي مدرك بالحواس (سواء صنعت من الورق أو الحجر أو من الصلصال)، وهي من ثمَّ، ولكونها كذلك، تشكل جزءاً من السجل الآثارى. عندما يختبر المؤرخ الوثائق بحسبانها موضوعات مادية مدركة بالحواس ويسجل شكلها وحجمها وحالتها وتجليدها وختمها الخ. فانه، اعترف بذلك أم لم يعترف، إنما يتصرف تصرفاً يجعل منه عالماً للآثار. بالنظر للوثيقة من حيث الكتابة بوصفها سلسلة من الإشارات والرموز فإنها تؤلف جزءاً من السجل الآثارى. فعلى سبيل المثال عندما يناقش المؤرخ المختص في التاريخ القديم شكل الحرف في نقش قديم، أو عندما يدرس المؤرخ المتخصص في القرون الوسطى الحبر المستخدم في كتابة عقد فانه يهتم في الحالتين لا بالكلمات في حد ذاتها وإنما ينصب اهتمامه على الأشكال والمواد. لذلك يوجه علم الوثائق [الدبلوماتيكا] الذي تمَّ تطويره تركيزاً على الخصائص المادية للوثيقة.
إذا كانت الوثيقة في حد ذاتها والرموز التي عليها هي آثارية في طبيعتها فماذا تبقى للمؤرخ ان يسميه خاصاً به؟ بالطبع، يبقى الجانب الأكثر أهمية والأكبر عطاءً… رسالة الإفادات المعبر عنها من خلال النص. تفسير تلك الإفادات هو ما يشكل المهمة الحقيقية والمميزة لعمل المؤرخ الوثائقي. لتفسير تلك الإفادات وتقييم دقة الوقائع طور المؤرخون تقنيات خاصة ستكون موضوعاً للفصل الثاني من هذه المحاضرات.
الوثيقة، كما قلنا، يمكن ان تكون مصنوعة من مواد مختلفة. معظم المخطوطات والوثائق المطبوعة هي على ورق مقوي، لكن أخرى، بخاصة في العصور القديمة، كانت من مواد أكثر ثقلاً مثل الحجر والصلصال. ليس هناك اختلاف جذري بين الوثيقة الورقية والنقش الحجري-كلاهما مصنوعات أو موضوعات صنعية آثارية تحمل إفادات تاريخية ومن ثم لا بدَّ من اخضاعهما للتفسير من خلال التقنيات المميزة لعلم الآثار من جانب وتلك المميزة للتاريخ من جانب ثانٍٍ. لدى دراسة نقش بحسبانه موضوعاً مادياً مدركاً بالحواس يمكن لعالم الآثار ان يستنبط معلومات من خلال دراسته لنوع الحجر وطريقة تصنيعه ونوع الحروف ومكان العثور عليه وموضعه الاستراتيجرافي (7) وما الى ذلك. يدرس المؤرخ من جانبه النص المنقوش بالطريقة نفسها التي يدرس بها نصاً كتب على ورق وذلك بهدف تحديد من كتبها ومتى وبأي هدف. استبدال الأزميل بالقلم، والصلصال بالورق لا يغير من الأمر شيئاً.
عندما يركز المؤرخ اهتمامه على إفادة فانه يتعامل مع فكرة مسجلة خاصة بإنسان عاش في الماضي، أي مع فكرة تجمدت أو تحجرت في نص مكتوب. الإفادة قد تكون صحيحة وقد لا تكون كذلك. سيحاول المؤرخ ان يقيم أمانتها بحسبانها واقعة تاريخية(8). حتى ان لم تك صادقة فإنها تظل التعبير الشخصي لفرد تاريخي ويحتمل ان تكون ذات فائدة في الكشف عن هدف أو تحيز أو حالة ذهنية. يجدر ان نتذكر ان الإفادة هي النتاج النهائي لسلسلة من التفكير والتجربة التي لا يمكن استنتاجها بصورة كلية. بمعنى آخر فان الإفادات التاريخية هي تنقية متعمدة عن وعي لتفكير باطن طويل، إنها مصممة لكي ما يتم سماعها أو قراءتها ودائماً ما يكون وراءها هدف يتوجب على المؤرخ الكشف عنه.
فإذا كانت الوثائق تعكس إفادات، وإذا كانت الموضوعات الصنعية تجسد أفكاراً فهل هناك فرق بينهما؟ للإجابة نقول نعم. بالتأكيد فان ذلك متضمن في طبيعة الأفكار المعينة ومداها. الإفادة التاريخية هي التعبير المباشر والدقيق عن فكرة، أنها مجرد فكرة في شكل مكتوب وهي واضحة تماماً في الآن نفسه. إنها تقول تحديداً ما أراد المؤلف ان يقوله لا أكثر ولا أقل [حتى ان كان ذلك بصورة سيئة وغير دقيقة]. الإفادات يمكن ان تكون وقائعية مباشرة مثل "في اليوم الأول من يناير 1956 نال السودان استقلاله"، كما يمكن ان تكون غير مباشرة مثل قول منصور خالد "قاد الانهيار الاقتصادي والخدمي الى ان يفرض النظام (في السودان) في أواخر عام 1981 جرعة جديدة من الدواء المر وهو دواء تمت صيدليته وفقاً لمواصفات صندوق النقد الدولي"(9).
خلافاً لذلك فان الفكرة المحتواة في المصنوعات مفهومة فقط ضمنياً، فهي ليست مُعبر عنها صراحة ولا هي ملفوظة. إضافة فإنها مغلفة بحدة لأنها لا تشير لا للاحتياجات الأساسية ولا للدوافع ولا للمعرفة التقنية التي قادت الى إنتاج الموضوع الصنعي. على سبيل المثال فان صناعة أداة غير معقدة مثل شفرة من الصوان نتجت عن فكرة الحيوان الذي لا بدَّ من سلخ جلده، ومن نوعية النواة التي لا بدَّ من تشظية الصوان منها، ومن الطريقة التي تعلم بها الصانع كيفية توجيه الضربات للحجر واستخدامه. فالأفكار التي يتلمس عالم الآثار طريقه لإماطة اللثام عنها هي بالتالي تقريبية تتعلق في الأساس بالجوانب المادية والتقنية. الإفادات الشفهية يمكن ان تعبر عن مدى متسع من التأملات الذهنية والروحية وهو ما تعجز عن القيام به البينة المادية بما في ذلك المنتجات الفنية.
بالتعريف فان علم الآثار يتعامل مع الموضوعات المادية المدركة بالحواس، لكنه يحتاج، في الواقع العملي، الى قراءة الكثير من المصادر المطبوعة الثانوية توسيعاً لمدى معرفته المقارنة: تقارير أعمال التنقيب الآثارى، وبيان محتويات المتاحف، والكتب الدراسية. انه كما قال عالم الآثار البريطاني ستيوارت بيجوت فان عالم الآثار يجد نفسه مضطراً "لاستنفاذ جزء كبير من وقته في قراءة النتائج التي توصل إليها آخرون"(10).
بالطبع
الاعتراض هنا
على تحليل
طبيعة المواد
الصنعية
والوثائق
بوصف ذلك
نوعاً من
المراوغة
الكلامية
ويعتمد على
التعريفات
التي يتم
تبنيها، انه
اعتراض يحمل
قدراً من
الصحة اذ يتوجب
تقبل كل
النتائج
المترتبة على
التعريفات
التي يتم
تبنيها. لكن
الهدف من هذه
المحاضرة لا
يتجاوز مجرد
تمرين قصدنا
ان نقوم به
سعياً لتوضيح
حقيقتين
اثنتين:
أولاً/ تبيان الفارق الجوهري بين التاريخ وعلم الآثار حيث يتعلق الأول بالإفادات الشفه&