![]() |
مشروع أركامانى لنشر الكتاب المنهجي |
محاضرات في منهج البحث التاريخي: من التقنيات الى المنهج
(4) وظائف نوعي المعرفة المصدرية و اللامصدرية
تحليل إجراءات المؤرخ من وجهة نظر نوعي المعرفة
يمكن رؤية الدور الهام الذي تقوم به المعرفة اللامصدرية في إجراءات المؤرخ البحثية بوضوح في ضوء ما أشرنا إليه في محاضراتنا السابقة. مع ذلك فان دور المعرفة اللامصدرية الحقيقي يمكن رؤيته بكامل تجليه فقط عندما نتأمل بعمق المراحل المختلفة لتلك الإجراءات وعندما نقارن في الوقت نفسه دورها بالدور الذي تقوم به المعرفة المصدرية. إلا أنه يتوجب علينا من جانب ثانٍ تثبيت تحفظنا الصارم على أية دعوة الى فهم إفادتنا هذه بحسبانها تقليلاً من شأن المصادر ودورها في البحث التاريخي. ستظل المصادر دائماً وأبداً هي المستودع الأهم والكنز الأكبر الذي يلجأ إليه المؤرخ ذلك أنه لا يستطيع بدونها الادعاء بانتمائه لهذه المهنة. النقطة الرئيسة هنا هي وضع حد لمعالجة نوعي المعرفة المصدرية و اللامصدرية بحسبانهما صنمين جديرين بالتقديس كما هو الحال عند بعض المؤرخين. ومن ثمَّ ليس الهدف من إفادتنا سوى تعبير عن عدم الاتفاق مع أولئك الداعين الى التمسك بالتوجه ألتحصيلي للتاريخ في مواجهة التوجه الى تكامل العلوم. الشئ الهام الذي لا بدَّ من إدراكه، مع عدم إهمال الأهمية الأساسية للمصادر، هو ان المصادر بمفردها لا تكفي، كما ولا يكفي التحصيل التاريخي بمفرده. لا بدَّ من إدراك حقيقة ان المعلومة المستخلصة من المصادر تكون ذات قيمة إرشادية أكبر في حالة طرح أسئلة أكثر تنوعاً الشئ الذي يشترط توفر قدر واسع من المعرفة.
يرتبط كل من مجال البحث وطرح الأسئلة أساساً بمشكلة الانتقاء، ويرتبط معيار الانتقاء بدوره بمنظومة معينة للقيم (التي هي وظيفة للمعرفة البشرية). يؤدي التبدل في منظومة القيم بالضرورة الى تبدلات في معيار الانتقاء المعتمد على تبدلات في افتراض الأسئلة وفي طرق التفسير. في لحظة اختيار المؤرخ لمجال بحثه فانه لا يكون قد شرع بعد في التعامل مع المعطيات المصدرية طالما انه لا زال لم ينطلق بعد في دراسة المشكلة المحددة (السؤال) التي لا يزال تشكيلها غير مكتمل بعد. حين يتم تشكلها، أي صياغتها، فان المؤرخ يرجع أيضاً للاختيار وفق معيار يقوم على أساس منظومة القيم المسيطرة عليه، لكنه يستخدم أيضاً، بدرجة متساوية على الأقل، معرفته بالوقائع التاريخية ومعرفته النظرية العامة على حد سواء.
بمجرد ان يتم طرح السؤال يصل دور المعرفة اللامصدرية الى نهايته ذلك ان المؤرخ ينتقل للبحث عن إجابة على ذلك السؤال من خلال الرجوع الى المعطيات المصدرية. يختلف دور المعطيات المصدرية تلك طبقاً لمرحلة الإجراء المستخدم ونوعه للكشف عن إجابة على السؤال المطروح. تكون الإشارة أثناء إجراءات نقد المصدر (دراسة الأصالة والأمانة) أساساً (أو على الأقل متساوية) الى معرفة المؤرخ المستقاة من خارج إطار المصادر المدروسة طالما انه بامكانه التوصل الى استنتاجات بشأن أصالتها وأمانتها فقط من خلال المقارنة. حتى إذ لم يتجاوز المؤرخ الى ما وراء مصدر محدد فسيتم قبول المعطيات التي يحتويها المصدر (عن الوقائع وعن نفسه) فقط بفعل إفادات معينة والتي تشكل جزءاً من جسم المعرفة التي يمتلكها المؤرخ. إذا كانت تلك المعطيات المحتواة في المصدر تظهر تبايناً مع معرفة المؤرخ فانه سيستمر في بحثه سعياً الى اتخاذ قرار عما إذا كان عليه تعديل معرفته اللامصدرية في تلك اللحظة.
يكون دور المعرفة المصدرية أكبر في الوقت الذي تتم فيه عملية تثبيت الوقائع طالما ان المؤرخ ينفذ ذلك بقوة المصادر، مع أنه لا يستطيع، كما هو واضح، استخلاص معطيات محددة من المصادر دون امتلاكه لمعرفة لا مصدرية مناسبة. يعد من أساسيات نظرية المعلومات ان كل معلومة لا بدَّ من دفع قيمتها، بمعنى ان لكل معلومة تكلفتها. بالإضافة فان قراءة معلومة معينة تتطلب معرفة الشفرة أو الشفرات المناسبة *. يجدر كذلك ملاحظة حقيقة ان تقبل شئ بحسبانه مصدراً مناسباً بالنسبة لمشكلة محددة إنما يعتمد على معرفة المؤرخ. فكما يقول جيدمين فان "موضوعاً ما يكون مصدراً تاريخياً فقط في حالة ما إذا كان هناك شخص يشكل بالنسبة له هذا الشئ لا مجرد موضوع عادي وانما رمزاً، أي إذا كان ذلك الشخص يمتلك معرفة مناسبة تمكنه من ربط ذلك الموضوع بموضوعات أو أحداث وقعت في الماضي" (1).
عندما يتعلق الأمر بالتفسيرات السببية تبرز الى المقدمة المعرفة اللامصدرية ذلك انه نادراً ما يجد المؤرخ في مصادره إشارات الى أسباب الأحداث التي تهمه، حتى ان وجدها فإنها تكون مجرد معلومات غير جازمة من وجهة نظره. يحتاج المؤرخ لتشييد تفسيرات سببية الى إجراءات بحثية تحليلية معقدة يستخدم فيها، في المقام الأول، الطريقة المقارنة. فكما أشار همبل (2) فانه وللكشف عن ان ظروفاً معينة تسببت في الحادثة أو الواقعة المدروسة لا بدَّ من الرجوع الى قانون علمي. يقوم المؤرخ في التفسير بربط الوقائع بعضها بالبعض من خلال الرجوع الى قوانين، أي الى المعرفة اللامصدرية (النظرية). تشير الوقائع المختلفة التي يعرفها المؤرخ الى إمكانية الرجوع الى قوانين محددة. تساعد المعرفة اللامصدرية المؤرخ أيضاً في تشكيل قوانين وفي تركيب نتائج بحثه. فالوقائع التاريخية يتم تقييمها على ضوء المعرفة اللامصدرية والتي تخدم في هذه الحالة بحسبانها منظومة للقيم.
وظائف المعرفة اللامصدرية: مشكلة النموذج الاسمي للأسئلة
يمكن معالجة المعرفة اللامصدرية، أي الملاحظة والإفادة النظرية عن العالم المقبولة من جانب المؤرخ، في حالة النظر إليها بالمعنى النسبي (أي بمعنى ارتباطها بسؤال محدد)، بحسبانها نظيراً لافتراضات تتعلق بذلك السؤال، أو نموذجاً له. طبقاً للتمييز الذي يقدمه جيدمين فإنها تؤلف ما يسمى بالنموذج الاسمي للسؤال الذي هو بمثابة سلسلة أو منظومة الافتراضات، خلافاً للنموذج الحقيقي (السيمانطيقي) للسؤال، أي تلك الموضوعات التي تستجيب لمنظومة الافتراضات التي تؤلف النموذج الاسمي (3).
ان المعرفة اللامصدرية التي تشتمل على مقدمات جديدة، من وجهة نظر منطقية، أو على قواعد الاستدلال الخ. تضيف المزيد الى ذخيرة طرق الاستدلال التي تجعل ممكناً حل مشكلة بعينها.
كما هو معروف فان علينا في نظام افتراضات خاصة بسؤال محدد ان نميز أولاً وقبل كل شئ بين كل من الافتراض الايجابي، والافتراض السلبي، وافتراض التفرد، والافتراض المقيد الايجابي، ويحتمل أيضاً افتراض القرار والمعيار لإجابة مقنعة.
كما قلنا في وقت سابق يتوافق الافتراض الايجابي مع القناعة، التي هي جزء من المعرفة اللامصدرية، بوجود إجابة حقيقية للسؤال المطروح. الافتراض السلبي، الذي هو أيضاً جزء من المعرفة اللامصدرية، ذو طبيعة عامة ويقول: ليست كل إجابة هي حقيقية. تشكل المعرفة اللامصدرية أساساً كذلك للافتراض المحتمل بشأن التفرد والذي يقول: فقط وفقط إجابة واحدة هي الحقيقية.
الافتراض المقيد الايجابي، الذي يتطلب معرفة لا مصدرية أكثر تحديداً ويرتبط في حالات عديدة بالتطور في مدى استخدامنا للمعطيات المصدرية، هو الذي يقربنا أكثر الى التوصل الى الإجابة التي نسعى إليها. كلما كانت معرفتنا اللامصدرية في وضع أفضل كلما ازداد الإصرار الذي يشير به ذلك الافتراض الى السلسلة الفرعية التي يتوجب البحث فيها عن إجابة السؤال. سلسلة معينة (لإجابات ممكنة) يتم حصرها في إطار سلسلة فرعية محددة. يكون هذا الافتراض أيضاً أحد المعايير لقبول الإجابة ويقول: لا يجوز قبول اجابة آتية من خارج السلسلة الفرعية المحددة أو المدى غير المعروف. ينطبق هذا أيضاً على كل من القرار والأسئلة التكميلية. واضح ان هذا الافتراض، مثله مثل الافتراضات الأخرى، يمكن ان يثبت خطأه. ليست الافتراضات سوى نظام لفرضيات أولية ضرورية لتشكيل السؤال بصورة محددة. كثيراً ما تعيق الافتراضات الخاطئة للسؤال، والناتجة عن معرفة لا مصدرية ناقصة وغير مكتملة أو خاطئة، العمل البحثي الى حد بعيد. مع ذلك فإننا نادراً ما نتحدث عن نتيجة أو حقيقة مطلقة للافتراضات منذ مرحلتها البدئية، أي في مرحلة البحث الأولية (الحقيقة المطلقة للافتراضات تعني هنا حقيقتها بعد التأكيد عليها لاحقاً من خلال البحث). لكن بالامكان المطالبة بضرورة توسيع المعرفة اللامصدرية التي يمتلكها المؤرخ طالما أنها تشكل عنصراً لا غنىً عنه لعمله.
الأسئلة المربكة هي أمثلة جيدة للأسئلة التي تحتوي على افتراضات خاطئة. هل يجوز لنا ان نسأل، على سبيل المثال، ما هي المناطق التي احتلتها سويسرا في شمال أفريقيا أثناء الحرب العالمية الثانية؟ قطعاً لا يمكننا ان نجد إجابة حقيقية مباشرة على هذا السؤال طالما ان سويسرا لم تشارك في الحرب العالمية الثانية.
افتراض القرار، أي القناعة بأن الإجابة على السؤال المطروح يمكن تصحيحها من خلال الملاحظة، هو افتراض ذو طبيعة مركبة. وعادة ما يخطر في ذهن الباحث في ارتباط بالافتراض الايجابي.
وظائف المعرفة اللامصدرية: مشكلة النموذج المنهجي (الانتقاء)
تقوم منظومة القيم المسيطرة على الباحث، التي نعدها وفق تصنيفها معرفة لا مصدرية، بدور سلسلة موجهات يتبعها الباحث في عمله. بداية فان التقييم هو أحد المصادر الأساسية للتحفيز عندما يتعلق الأمر بإفراز العناصر الرئيسة عن العناصر الثانوية. ان التقييمات هي، عادة، بمثابة موجهات عامة من نوع "طالما ان س جيدة فان على الفرد ان يؤكد على جوانبها الجيدة نشراً للمعرفة عنها، أي عن س". مثل هذا النوع من الموجهات هي، بمعنى منظومة افتراضات خاصة بسؤال محدد، ويمكن تسميتها افتراضات قيمية (أي خاصة بالأخلاق وبالدين وبعلم الجمال) لذلك السؤال. يمكن لمثل هذا النوع من الافتراضات ان تعيق الباحث، في حالات، عن الوصول الى إجابة صحيحة للسؤال الذي قام بطرحه. على سبيل المثال فان قناعة باحث بان الصراع الديني قام بدور في نشوب حرب جنوب السودان منذ بدايتها، وهي قناعة صادرة عن معرفته اللامصدرية التي هي جزء من منظومة قيم، يمكن لها ان تقيد الى درجة كبيرة مدى رؤيته الذهنية. يعمل الافتراض ألقيمي مصفاة فريدة تقوم بانتقاء المعطيات التي تصل الى الباحث وتوجهه بالتالي في سعيه الى اغتناء معلومات جديدة. ان الموجهات الناتجة عن منظومة قيم تفتح في الكثير من الحالات آفاقاً جديدة للبحث لكونها تشير الى مجالات جديدة لم تتم ملاحظتها من قبل.
تتحدد التطورات في البحث ليس فحسب بذلك الجزء من المعرفة اللامصدرية التي تدخل ضمن عملية تشكيل السؤال المحدد وانما كذلك بالمعرفة الكامنة، تحديداً تلك القائمة في أساس القرار بشأن طرح السؤال. يوجد اتفاق بين الباحثين حول موضوعات أساسية عديدة بما يجعل القرارات الخاصة بطرح الأسئلة أكثر فاعلية، إضافة فان بعض الاختلافات بين منظومات القيم، أي أنظمة المعرفة اللامصدرية2 تؤدي الى تنوع في الأسئلة التي تقدم رؤية أكثر شمولية للعالم. تلك الرؤية الأكثر شمولية يتم التوصل إليها، كما هو معروف ، في التطور الجدلي للبحث.
لهذا لا يجوز استبعاد مشكلة المعرفة اللامصدرية في التحليل المنهجي عموماً لا في البحث التاريخي فحسب. في هذا البحث الأخير تحتل وظائف المعرفة اللامصدرية2 أهمية خاصة ذلك ان القرارات بشأن طرح أسئلة في مجال محدد تعتمد على هذه المعرفة. ذلك يعني انه حتى في هذه المرحلة تمارس المعرفة اللامصدرية2 تأثيراً على عمليات الانتقاء التي هي ذات أهمية قصوى في كل أشكال البحث التاريخي.
تعني التغيرات في منظومة القيم الناتجة عن تغيرات في جسم معرفتنا اللامصدرية، عادة، تغيرات في معايير الانتقاء. ان التغيرات في جسم المعرفة اللامصدرية تؤدي بالتالي الى تعديل الافتراضات الخاصة بالأسئلة التي تقوم بطرحها. فعلى سبيل المثال كانت التغيرات التي طرأت على تبني النظريات السوسيولوجية والأنثروبولوجية وطرقها بمثابة تغير طرأ في معايير الانتقاء وفي طرح الافتراضات الخاصة بالأسئلة في البحث التاريخي (الأسئلة الوقائعية، والأسئلة التفسيرية، والأسئلة بشأن القوانين) وفي طرق التفسير. تزايد الاهتمام في مجال التفسير بقضايا الإنتاج، وبعلاقات التملك، وبأوضاع الطبقات الاجتماعية وعلاقاتها بملكية وسائل الإنتاج، وبمصالح تلك الطبقات وتقسيماتها الفرعية، وبالصراعات الطبقية، وبالدور الطبقي لجهاز الدولة، وبالتشريعات والأيديولوجيات والمؤسسات الممثلة لها، وبحركات التحرر وما الى ذلك.
قد يكون تفسير الافتراضات الكامنة في أساس الانتقاء أمر غير معقد في بعض الحالات. فعلى سبيل المثال نالت الموضوعات ذات الاتجاه الاسلاموي لبعض الحركات المتطرفة من الغلاة في عالمنا العربي والإسلامي اهتماماً من جانب المؤرخين المرتبطين بتلك الجماعات. من جانب ثانٍٍ فان الموضوعات التي سعت الى إبراز الجوانب السلبية للحركات المتطرفة نالت قدراً من الاهتمام من جانب المؤرخين المعارضين للتطرف الديني. كثيراً ما ينطبق ذلك على أسئلة أساسية (مشاكل البحث). في حالة الأسئلة غير المعقدة تصبح الافتراضات الكامنة في الانتقاء (أي المعرفة اللامصدرية الكامنة لباحث معين) جلية فقط إذا نجحنا في تحديد مثل ذلك السؤال في منظومة أسئلة تمَّ دمجها لتؤلف مشكلة أكثر شمولية.
على سبيل المثال السؤال: كم كان عدد جنود جيش عبدا لرحمن النجومي في معركة توشكي؟ يمكن ان يكون مثل هذا السؤال جزءاً من سؤال أشمل عن أسباب هزيمة عبدالرحمن النجومي في المعركة. السؤال الأخير تمَّ طرحه نسبة لأهميته (على الأقل من وجهة نظر باحث بعينه). يمكن ان يكون الشخص مقتنعاً بأهمية هذا السؤال، غض النظر عن أن عبدا لرحمن النجومي قام بدور هام في تاريخ السودان الحديث (سواء ايجابي أم سلبي) أم أنه لم يقم بدور هام. بالتالي تشير الافتراضات التي تكمن وراء القرار بشأن طرح مثل ذلك السؤال الى التقييمات الموروثة في الرؤية العامة لتاريخ السودان من جانب الشخص الذي يطرحه. مثل تلك الرؤية العامة هي نتاج للمعرفة اللامصدرية.
مثل هذا الإجراء المتكرر يبدو انه يؤسس القاعدة لدى تحليل الافتراضات الخاصة بالقرارات الاستفهامية. تبرز ضرورة عدد كبير من الخطوات أحياناً إذا كان علينا ان نجد ماهية تلك الافتراضات. ومع ذلك فان عددية مثل تلك الخطوات تكون عموماً أقل في البحث التاريخي منه في العلوم الطبيعية على سبيل المثال. فلنحاول تحليل المثال السابق الخاص بمعركة توشكي بتفصيل أكثر:
- الخطوة الأولى: نلاحظ وجود فجوة في معرفتنا اللامصدرية، لكننا من جانب آخر على قناعة بأهمية المشكلة ككل. انتقينا المشكلة لأننا نعد نشاطات القائد عبدا لرحمن النجومي هامة للغاية لإدراك تاريخ السودان.
- الخطوة الثانية: قررنا تشكيل سؤال موجه لملء تلك الفجوة المذكورة (على أساس المعرفة المصدرية والمعرفة اللامصدرية2).
- الخطوة الثالثة: نطرح السؤال: ما هي القوة العددية لجيش عبدا لرحمن النجومي في معركة توشكي؟ نفعل ذلك بتحريك معرفتنا اللامصدرية. انه سؤال يمثل جزءاً من سؤال أشمل، أي انه يتعلق بالأسباب الكامنة وراء هزيمة عبدا لرحمن النجومي وانهيار الدولة المهدية وسقوطها.
الافتراض الايجابي هو أننا على قناعة بإمكانية إيجاد إجابة على السؤال الأكثر ضيقاً (لأن عبدالرحمن النجومي قد وجد بالفعل، ولأن معركة توشكي قد وقعت فعلاً الخ.). الافتراض السلبي هو أننا على قناعة بأنه ليست كل إجابة ستكون حقيقية (مثلاً قد لا نميل الى اجابات تشير الى السيادة العددية لقوات النجومي في المعركة). أما افتراض التفرد فهو أننا نعرف ان إجابة مباشرة واحدة ستكون دقيقة وممكنة في إطار فسحة (اذا نظرنا الى جيش النجومي من خلال مراحل مختلفة من المعركة). الافتراض المقيد الايجابي أننا سنبحث عن الإجابة في السلسلة الفرعية: كان جيش عبدا لرحمن النجومي أقل عدداً من جيش أعدائه، لا يمكن ان تصل قوته العددية الملايين وما الى ذلك.
- الخطوة الرابعة: السؤال المشكل طبقاً للافتراضات السابقة يتضمن مشروع بحثنا.
* يشير وودوارد الى ان نظرية المعلومات اضافت مفاهيم شتى لعلم المنهج العلمي يصعب بدونها الاستقصاء المنهجي، انظر: [Woodwaard, Probability and Information Theory, London 1955]
الى جانب مفهوم المعلومات ومصدرها تشير نظرية المعلومات الى المفاهيم الخاصة برسالة ورمز وقناة وأنتروبيا. كما وتنشئ تمييزاً بين المعلومة الانتقائية والمعلومة السيمانطيقية. الأولى يمكن نقلها بمساعدة علامات غير سيمانطيقية بينما تنتقل الثانية فقط عن طريق الإفادات صادقة كانت أم كاذبة.
وتسمى المادة المحددة للمعلومة، التي تمَّ إعدادها لتصل الى المتلقي عبر قناة، بالرسالة. ويعني هذا الإعداد التحويل الى رموز. فإذا كانت للرسالة (مادة المعلومة) ان يتم تلقيها فلا بدَّ من تحليل رموزها، أي انه على المتلقي للرسالة معرفة الشفرة. فالشفرة بهذا المعنى هي وظيفة تحديد محتوى معين لرسالة محددة. في حالة المعلومة السيمانطيقية تكون الشفرة الأساسية هي الشفرة اللغوية، أي لغة مفهومة بالنسبة لكل من الراسل والمتلقي. تستخدم في العلم شفرة يمكن تسميتها بالشفرة الوقائعية. لكن الاهتمام ينصب أيضاً على ما يمكن تسميته بالشفرة اللغوية النفسانية وبالشفرة المجازية. يجدر التأكيد على الدور المبدع لنوع الشفرة الأخيرة، كما ويجدر التأكيد على ارتباط الشفرة المكتوبة بالشفرة اللغوية.
قناة المعلومات هي تلك القناة التي تمر من خلالها الرسالة في طريقها من الراسل الى المتلقي (مثلاً ورقة في حالة الكتابة العادية، والأثير في حالة الحديث). الانتروبيا هي مقياس عدم الانتظام وعدم التحديد. وعليه فان المعلومة تقلل من عدم التحديد. يعادل حجم المعلومة التي يتم تلقيها الفارق بين الانتروبيا لنظام محدد قبل تلقي المعلومة وبعده.
[1] Giedymin, J., Logical Issues in Historical Analysis, Poznan 1958, P. 28
[2]Hempel, C.G., "The function of General Laws in history", In: Theories of History, Gardiner (ed.), Glencoe 1959.
المحتويات الشاملة│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات│تقارير أعمال التنقيب│ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية
الكتاب الكلاسيكيون│إصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانية│الببليوغرافيا│معرض الآثار السودانية│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة