محاضرات في منهج البحث التاريخي: من التقنيات الى المنهج - 7
الفصل الثالث
بنية البحث التاريخي
(1) موضوع بحث المنهج التاريخي
راكمنا الآن من خلال الفصلين السابقين حول تقنيات البحث التاريخى من المعلومات ما يمكننا من الإجابة على السؤال الخاص ببنية البحث التاريخى و منهجيته. تعكس البنية المنهجية التقليدية للتاريخ، بحسبانه سرداً "موضوعيا" للأحداث، قراءة ايديوجرافية وصفية محضة مستبعدة أية وظيفة نظرية للبحث التاريخى، لكنه و مع تطور علم التاريخ تزايد الاهتمام بالعروض ذات الأهداف النظرية مع تراجع واضح للعروض الايديوجرافية الوصفية. إلا أن ذلك لا يعنى بحال من الأحوال القول بأن التاريخ قد حرر نفسه كلياً من تلك الأنماط التقليدية. يسعى هذا الفصل الثالث الى الإسهام فى حركة التحرير هذه التى يمسى البحث التاريخى فى أشد الحاجة إليها.
لتكن نقطة الانطلاق الإشارة الى أنه يجوز تعداد ثلاثة ميادين لاهتمامات المنهج التاريخى:
أولاً، التأمل حول عمليات الإدراك فى البحث التاريخى، أي بمعنى آخر التأمل فى علم التاريخ بحسبانه مهنة المؤرخين.
ثانياً، التأمل حول نتائج البحث، أى التأمل فى علم التاريخ مفسراً بحسبانه مجموعة إفادات حول مجال الدراسة.
ثالثاً، التأمل حول مادة موضوع البحث التاريخى، أى التاريخ بمعنى أحداث الماضى.
انطلاقاً من الفرضيةً القائلة بأن هدف علم التاريخ هو الوصول الى إفادات صادقة عن الماضي، لا بدَّ من الإلمام ليس فقط بمنهج الوصول الى مثل تلك الإفادات، أي بمنهج تكونها، وإنما أيضاً التمكن من إقامة الدليل على صحة تلك الإفادات وهو أمر يتطلب من المؤرخ ان يكون في وضع يؤهله لمواجهة الإفادات بما هو معروف عن مجال البحث. الإلمام بالوقائع، كما اشرنا، لا يتعدى ما قيل عنها علمياً. بمعنى آخر فان الطريقة التي يرى بها المؤرخ موضوع دراسته تتشكل بمدى إلمامه بذلك الموضوع. عندما يقوم المؤرخ بالتدليل على صحة إفادة فانه، قبل كل شيء، ينشئ مواجهة بين تلك الإفادة من جانب، والمعرفة المتوفرة له (عن مجال الإفادة) من جانب ثانٍ. عادة ما يرفض المؤرخ الإفادة في حالة إذا ما بدت له مغايرة أو متناقضة مع تلك المعرفة وإذا ما انعدمت في الوقت نفسه أسباب تدعو الى تعديل معرفته في تلك اللحظة. أما المواجهة مع السلوك الفعلي فإنها تتم في مرحلة لاحقة فقط. الأمر كذلك يجوز القول، من وجهة نظر المنهج التاريخي، ان معرفة ذلك الذي يستند إليه المؤرخ في مواجهة إفادته لا يمكن ان يكون سوى لحظة حاسمة.
إن عمليات الإدراك ونتائج مثل تلك العمليات من الممكن دراستها بطريقتين تخدمان أساساً ليس فقط لإبراز الميدانين الأول والثاني المشار اليهما والمتعلقتين باهتمامات المؤرخ، وإنما أيضاً أساساً للبحث المنهجي في الميدانين. انطلاقاً من مثل هذه الفرضية يجوز لنا تقبل تصنيف جيدمين للمنهج العلمي الى منهج وصفي ومنهج معياري، ذلك انه يقول بأن المنهج الوصفي يتمحور حول وصف عمليات الإدراك ونتائجها في حين يسعى المنهج المعياري الى تسجيل الأحكام الإجرائية العلمية العقلانية والإشارة الى درجة تطور فرع محدد للمعرفة (1)
يتوجب على المؤرخ فيما يتعلق بالمنهج التاريخي المفسر معيارياً السعي لجعل معرفته بالموضوع قيد البحث، أي نظام المرجع الذي يعتمده لمقارنة إفاداته حول الدراسة على أفضل وجه ممكن. يمكن القول مجازاً بأن معرفة موضوع الدراسة تشكل مرآة تكشف عن كل التحريفات الجائزة لصورة الماضي عندما يشرع المؤرخ في إعادة بناء ذلك الماضي. وحيثما ان عملية تشكيل الإفادات وعملية إثباتها تؤلفان كلاً مترابطاً في التطبيق البحثي، وبما ان التشكيل النهائي للإفادة يتم فقط بعد انفاذ الإثبات المبدئي في مراحل مختلفة، يكون جائزاً القول بأن إلمام المؤرخ بموضوع دراسته يقوم أيضاً بدور مرموق في تشكيل الإفادات. ينطبق هذا، كما سنبين، على كل مراحل إجراءات المؤرخ البحثية.
لا يوجد في الواقع تطابق في الكتابات الخاصة بالمنهج التاريخي في وجهات النظر بشأن الميادين الثلاث لاهتمامات المؤرخ المشار إليها، كما ولا يوجد اتفاق بشأن شمولية علم المنهج التاريخي. يتم استبعاد الميدان الأول الخاص بدراسة عمليات الإدراك من المنهج التاريخي أحياناً، في حين يسمى الميدان الثاني المتعلق بعلم التاريخ مفسراً بحسبانه مجموعة إفادات عن الماضي بالمنهج التاريخي في أغلب الأحيان. يعتقد بأن التأملات التي تؤلف المنهج التاريخي هي تلك التأملات الخاصة بإجراءات البحث التاريخي، بما في ذلك الإشكالات الخاصة بتقنيات البحث والمرتبطة بالاستقصاءات التي تمثل نتاجاً للتحليلات المنجزة من خلال الميدانين الأول والثاني الذين يهتمان بإبراز الطبيعة المنهجية لعلم التاريخ ومكانته في منظومة العلوم. يتبدل معنى مصطلح "نظرية التاريخ" الذي كثيراً ما نجده، من كاتب الى آخر. يعبر هذا المصطلح في معناه الواسع عن تأملات حول لغة علم التاريخ وعن تحليلات عمليات البحث مستبعداً كل ما يمكن تصنيفه ضمن تقنيات البحث. بهذا المعنى تحديداً استخدم جاردنر المصطلح حينما أطلق على كتابة عنوان "نظريات التاريخ" (1909) الذي انتقى فيه أعمال المؤرخين الذين انشغلوا بالتأملات حول علم التاريخ.
كثيراً ما توسم التأملات حول مادة موضوع البحث التاريخي بمصطلح "فلسفة التاريخ". كان فولتير، الذي يرجع إليه فضل ابتكار هذا المصطلح في عام 1765، ومن بعده هيجل وغيرهما قد استخدموا جميعهم المصطلح بمعنى التأملات حول أحداث الماضي. لا زال معنى هذا المصطلح يتطور. انه يدل، كما في السابق، على التأملات حول أحداث الماضي، لكنه نال مسحة مستهجنة تشير الى ان الأمر يتعلق بتنبؤات غير خاضعة لسيطرة العلم تتعلق بمجرى الأحداث المستقبلية. إبعادا لنفسه من السقوط، على ما يبدو، في هوة هذه المسحة المستهجنة اطلق دانتي على كتابه عنوان "فلسفة تحليلية للتاريخ" مشيراً بذلك الى علاقة عمله بالتوجه المعروف باسم الفلسفة التحليلية.
تجنباً لهذا الارتباك المصطلحاتي وتبياناً للمنهج التاريخي بصورة بعيدة عن التعقيد نحاول توضيح مجمل التأملات حول عمليات الإدراك ونتائج مثل تلك العمليات ومادة موضوع البحث التاريخي بحسبانها موضوعات في المنهج التاريخي من خلال المصطلحات التي استنها أستاذ المناهج أجدوكيفتش والمرتبطة بالمجالات المختلفة لمثل تلك التأملات. يشير أجدوكيفتش الى عدم وجود اختلاف حول حقيقة كون المنهج العلمي يغطي نوعين من الاهتمامات: اهتمام بعمليات الإدراك المستخدمة في البحث العلمي، واهتمام بنتائج عمليات الإدراك تلك. ويقول أجدوكيفتش بأن النوع الأول من الاهتمام يشير الى العلم بحسبانه عملية إدراك، أي بحسبانه عملية معرفية مؤلفة في نهاية المطاف من صيغ وبراهين لنظريات. ويشير نوع الاهتمام الثاني الى العلم بحسبانه حاصل عمليات الإدراك تلك، أي بحسبانه نتاجاً للعملية المعرفية (أي، سلسلة النظريات التي هي سلسلة من البيانات في نهاية الأمر). ووفق المصطلحات التي يستخدمها أجدوكيفتش فان الفرع الأول للمنهج العلمي الذي يكون موضوع بحثه العام العلم مأخوذ بحسبانه مهنة الباحثين، أي بحسبانه نشاطاً، يسمى بالمنهج العلمي البراجماتى (ألذرائعي)، في حين يمكن تسمية العلم مأخوذ لا بحسبانه مهنة الباحثين بل بحسبانه نتاجاً لعمليات الإدراك، بالمنهج العلمي اللا براجماتي (اللا ذرائعي) (2). ويلاحظ أجدوكيفتش ان كل عمليات الإدراك ونتائج مثل تلك العمليات من الممكن دراستها بطريقتين يمكنهما ان تخدما أساساً لا لإبراز فرعي علم المنهج العلمي فحسب، بل كذلك للبحث المنهجي في إطار الفرعين. انطلاقاً من هذه الفرضية تحدث أجدوكيفتش عن علم منهج وصفي وآخر معياري، يت