أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

 

محاضرات في منهج البحث التاريخي: من التقنيات الى المنهج - 6

تحليل الافادات

ان النقد المصدري هو نقد تحليلي ويمكن ان يحتوي عل قدر مبدع من الحجج والبراهين. لكنه يمثل، برغم أهميته، مجرد بداية للنقد التاريخي الشامل. علينا معرفة ما إذا كانت الوثيقة أصلية أم مزورة، أو اذا كان النص نصاً منقولاً يحتوي على تشوهات وتحويرات. إلا أن هذا التناول النقدي لا بدَّ من تطويره واستخدامه لتقييم مصداقية الوثيقة ودقتها ككل من جانب، وفي إفاداتها الفردية من جانب ثانٍ. قد تكون الطريقة الأمثل التفكير من منطلق اندماج الباحث مع موضوعه. بمعنى آخر لا بدَّ للمؤرخ ان يلم إلماما جيداً وبأكبر قدر ممكن بمصدر الوثيقة اذ على ذلك تعتمد كل إفادة واردة فيها وأهميتها. يبدأ الباحث بدراسة أسئلة أساسية والتي يمكن ان تكون قد طرحت من قبل في مرحلة علم الوثائق. أولاً وقبل كل شيء السؤال عن كاتب الوثيقة. لا يعني ذلك مجرد الكشف عن اسمه، ذلك ان الباحث كثيراً ما لا يستطيع تسمية كاتب الوثيقة، وإنما نوع الشخص المعني بخاصة موقفه بالنسبة للأحداث الموصوفة في الوثيقة. بمعنى آخر يأخذ السؤال غير المعقد عن من هو في التطور طبيعياً الى البحث في الأسباب التي دفعته للكتابة وفي الكيفية التي تحصل بها كاتب الوثيقة على المعلومات. السؤال الثاني: متى تمت كتابة الوثيقة؟ عادة ما تكون الإجابة على هذا السؤال أقل صعوبة ذلك ان الوثائق غالباً ما تحمل تاريخها مدوناً عليها، ومع انتفاء ما يدفع بالباحث الى الشك في حدوث خطأ أو تزوير فانه يتقبل التاريخ الذي تعلنه الوثيقة لنفسها. في حالة غياب تاريخ في الوثيقة يمكن للمؤرخ الحكم على ذلك ولو بصورة تقريبية بالرجوع الى بعض الإفادات المفتاحية الواردة فيها. على سبيل المثال قد يكون هناك ذكر أحداث يمكن تأريخها بصورة مستقلة، أو ربما تكون هناك تركيبة كرونولوجية هامة.

 

 

من جانب آخر قد تكون هناك وسيلة آثارية لتحديد التاريخ مثل نوع الخط أو العلاقة مع وثائق أخرى مؤرخة. الهدف الرئيس من تحديد تاريخ الوثيقة يكمن في قياس علاقتها الزمنية مع الأحداث الموصوفة فيها. الافتراض العام هو انه كلما اقتربت الوثيقة من تاريخ وقوع الأحداث الموصوفة فيها كلما زاد احتمال احتوائها على معلومات أولية موثوق بها.

 

 

ليس التأريخ بالأمر اليسير دوماً. يكون المؤرخ ملماً بالتواريخ المرتبطة بالملوك وبالخلفاء وبالأمراء والحكام، وبالاختلافات بين التقويمات القائمة على أسس قمرية وتلك القائمة على أسس شمسية، بين التقويم الهجري والتقويم المسيحي، وبين التقويمين الجولياني والجيورجي. لكن على المؤرخ ان يعي مثلاً ان الأول من يناير لا يعد بداية لعام جديد في مختلف أنحاء العالم.

 

 

ليس كافياً تقسيم الوثائق الى أصيلة ومزورة، أو تقسيم المؤلفين الى مصدر موثوق ومصدر غير موثوق، كما لا يصح الاعتماد على وثيقة لمجرد كونها، على سبيل المثال، تحتوي على معلومات أكثر من غيرها أو لكونها كتبت بصورة أكثر قوة ووضوحاً.

 

 

على المؤرخ الناقد بعد دراسته للوثيقة في مجملها الانتقال الى دراسة كل إفادة محاولاً تقييم معناها وصدقها. عليه ان يسأل نفسه ان كان واثقاً مما تعنيه الإفادة وعن لغتها ومعجمها وأنماطها الفكرية وتعبيراتها. هل اللغة المستخدمة في الوثيقة يمكن إدراكها حرفياً ام مجازاً؟ إذا كانت هناك أكثر من طريقة لتحليل الإفادة فانه يتوجب على المؤرخ بذل محاولة منطقية لفهم ما يرمي إليه مؤلف الوثيقة. هل تكون كل وثيقة، على ضوء ما يتوفر للمؤرخ من معرفة، صادقة، هل الوثيقة متماسكة داخلياً مع الإفادات الأخرى المحتواة فيها؟ وهل هي متماسكة خارجياً مع ما تفيد به المصادر الأخرى حول الموضوع نفسه؟ الى جانب كل ذلك، وفق ما يفيد لانجلوا وسينوبس، على المؤرخ ان يدخل الى ملعبه تجربته الذاتية من الحياة اليومية حيث يجرى تشويه الحقيقة بوعي أو بدون وعي لتصبح الأكاذيب هي سيدة الموقف. هل هي من نوع الحقائق القابلة للتشويه بفعل إنجازات شخصية ومصالح واهتمامات بقضية معينة؟ أم العكس إذ أنها من نوع الحقيقة الواضحة التي لا يمكن تشويهها؟ يبدو ان الأهم هو: هل كان المؤلف في وضع جيد يسمح له بمشاهدة الواقعة بنفسه أو اغتنائها من مصدر موثوق؟عليه فانه عبر التمحيص المنتظم وعن طريق طرح الأسئلة عن طبيعة الواقعة ومحتواها ومؤلفها يحاول المؤرخ تقييم مدى أمانة بينته (من حيث الاحتمال لا البرهان الأكيد).

 

 

لتوضيح الكيفية التي يحلل بها المؤرخ إفادة ما، والكيفية التي يتتبع بها مسألة الارتباط نأخذ مثالاً افتراضياً " في اليوم الموافق 20/9/1930 شب حريق بمسجد في منطقة طرابلس". مثل هذه الإفادة يمكن عدها مباشرة للغاية، إلا أن قيمتها بحسبانها بينة تاريخية محددة ستعتمد على المصدر الذي استقيناها منه وعلى الشكل الذي كتبت به. نفترض مرة أخرى ان تلك الإفادة وجدت مدونة في سجل شيخ منطقة زاوية الدهماني ضمن الأحداث التي وقعت عام 1930. سيوضح النص بالطبع أي مسجد في زاوية الدهماني نشب فيه الحريق، ذلك ان اسم المسجد سيرد في سياق الوثيقة. بمعنى آخر فان إفادة مفردة لا بدَّ من دراستها على ضوء الإفادات الأخرى الواردة في المصدر نفسه وعلى ضوء مصادر مختلفة ان وجدت. اذا لاحظ المؤرخ ان العبارة المعينة قد دونت في سجل منطقة زاوية الدهماني باليد نفسها التي دونت مجمل السجل، فان المؤرخ سيجد نفسه مواجهاً بإغراء التوصل الى استنتاج مفاده ان كاتب السجل هو الذي دونها احتمالاً بعد وقت قصير من وقوع حادث الحريق، ويمكنه بالمقارنة مع وثائق أخرى تحديد صاحب الخط. على عكس ذلك فقد تكون العبارة كتبت بخط شخص آخر غير كاتب السجل المعتاد. حينها يعتمد الكثير على ما إذا كان الخط يبدو معاصراً أم لاحقاً. فإذا كان معاصراً تكون له القيمة نفسها، أما إذا كان لاحقاً فسيواجه المؤرخ احتمال ان الكاتب لم يسجل حادث الحريق على أساس تجربة مباشرة وإنما على أساس الاستفادة من مصدر وسيط (مع تزايد مساحة عدم الدقة واحتمالات الخطأ) الا انه في مثل هذا النوع من الإفادات يبدو من غير المحتمل ان يكون الكاتب قد سجل شيئاً كاذباً كلياً، لكنه قد يكون أخطأ في تسجيل التاريخ على سبيل المثال. ومن ثمَّ على المؤرخ ان يتساءل عن الطريقة التي تسنى بها للكاتب معرفة تلك الواقعة حادث الحريق هل اعتمد في ذلك على وثيقة أسبق معاصرة للحادث؟ هل اعتمد على رواية واحد من كبار السن ممن شاهدوا الحادث؟ اذا كان هذا الاحتمال الأخير هو الوارد فان سؤالاً منطقياً يعقب ذلك عن الكيفية التي تذكر بها العجوز الراوي التاريخ المحدد هل اعتمدت ذاكرته على رواية شائعة؟ هذا النوع من الأسئلة لا بدَّ من توجيهها بخصوص كل وثيقة أو إفادة قد لا تبدو معاصرة للحادث المذكور. ينطبق الشئ نفسه على ما يسمى بالوصف المعاصر (أي وصف حدث معاصر) ذلك انه يحتوي بدوره على مساحة زمنية تفصل بين وقوع الحدث وتسجيله. على المؤرخ ان يسأل نفسه عما إذا كان الكاتب قد اعتمد على ذاكرته أم على مذكرات أو وثائق سجلها آخرون. اذا كانت النقطة هامة حقاً فان المؤرخ سيبحث ولا شك عن بينة إضافية مساعدة. على سبيل المثال قد يكون حادث حريق المسجد وجد طريقه الى سجلات الشرطة المحلية، أو سجلات دائرة الأوقاف. حتى في حالة انعدام وثائق أخرى عن الموضوع فهناك احتمال ان تساعد سجلات مصلحة الآثار التي قد تشير الى ان المسجد موضوع الحريق قد تمت عملية ترميم له بعد تعرضه لحريق في تاريخ محدد.

 

 

هكذا فان الإفادة نفسها مسجلة بخط مختلف وفي أماكن مختلفة يمكن ان تقدم مستويات متفاوتة للارتباط. تكاد بعض النماذج تكون معاصرة للأحداث الموصوفة ويمكن ان تكون على أساس التجربة المباشرة أو على أساس الذاكرة القريبة، في حين تكون نماذج أخرى يفصلها عن وقوع الأحداث فترة زمنية طويلة. وبما أنها لا تمثل بالتالي السجل المباشر فإنها تعتمد على الأقل على شكل من أشكال البينة الكتابية أو الشفهية. لا يعني الارتباط بالطبع مجرد العلاقة الكرونولوجية بين الأحداث ووصفها وإنما يحتوي كذلك على اهتمام الكاتب بالأحداث الموصوفة. يحتوي كل مصدر أو رواية تاريخية على مصالح وآراء وانحيازات ذاتية للكاتب وعلى المؤرخ ان يأخذ حذره دائماً من مثل تلك الاحتمالات واضعاً في حسبانه تأثيراتها المشوهة على "الحقيقة". هل كان مؤلف الوثيقة نفسه مشتركاً بشكل من الأشكال في الأحداث التي يرويها؟ وهل كتب بهدف إبراز وجهة نظر معينة؟ وهل كان لوظيفته ووضعه الاجتماعي تأثير على وجهة النظر التي تبناها؟ ان إفادة مباشرة وواضحة مثل حادث حريق في مسجد يمكن ان تحوي تشويهاً وانحيازاً بخاصة من النوع السلبي: أفلا يكون وارداً في وقت تتعرض فيه المساجد لإهمال اشتراك إمام المسجد نفسه في إشعال الحريق؟ ما هو موقف مؤلف الوثيقة من الحريق؟ كم هي المعلومات التي صمتت عن ذكرها هذه العبارة الوثائقية؟

 

 

يساعد التساؤل عن الارتباط المؤرخ على التمييز بين نوعين من الوثائق: النوع الأول اصطلح على تسميته "المدونات" التي تمثل روايات تاريخية كتبت عن وعي للأجيال القادمة. القيمة الرئيسة للمدونات ليس في كونها تمثل سرداً للأحداث الماضية بقدر ما هي سير ذاتية للمعاصرين لها. ومن ثمَّ فان كتاب المدونات يعدون مؤرخين ذلك أنهم يصنعون بيناتهم للأجيال القادمة لقراءتها. لا يبتعد معظم السرد الذي يقدمونه عن قائمة بالتواريخ والملوك والمعارك وأحداث أخرى يتم تشييده على أساس الاختيار الذاتي وعلى أساس تحقيق المصادر المكتوبة والروايات الشفهية. فإذا كان كاتب المدونة مشاهداً ذكياً للحياة المعاصرة وباحثاً عن بينات موثوق بها لأحداث أخرى فانه سيقدم معلومات قيمة قد لا يمكن جمعها بطريقة أخرى.

 

 

النوع الثاني من الوثائق هو السجلات التي أنتجت في الأصل بحسبانها جزءاً من الحياة اليومية لاستخدامها في الأساس من جانب المعاصرين. كثيراً ما تكون السجلات نتاجاً للأعمال التجارية والإدارية: دفاتر للحسابات، ووثائق للإيجارات، والعقود، ومحاضر الاجتماعات وما الى ذلك. قد تكون السجلات ذات طبيعة منزلية مثل إيصالات الخبز والجعة التي تمَّ الكشف عنها في مدينة الوركاء بالعراق القديم والتي يعود تاريخها الى منتصف الألفية الرابعة ق.م. وهي وان كانت قد كتبت على الواح من الطين تعد أقدم الوثائق المعروفة حتى الآن في تاريخ البشرية. وبما ان السجلات وضعت في الأساس لأداء وظائف معاصرة فإنها لا تمتلك وعياً تاريخياً. لا يعني ذلك بحال ان السجلات دائماً ما تقول الحقيقة أو أنها لا تحمل هذا القدر أو ذاك من التحيز والآراء الشخصية. لكن الهام هو ان الارتباط بينها وبين مؤلفيها من حيث المادة هو نوع من الارتباط يختلف عن ما يميز ارتباط كاتب المدونة بمادته، ذلك ان أهداف مؤلفي السجلات هي أهداف معاصرة ومن ثمَّ فإنها تقدم للمؤرخ رؤية مباشرة للحياة في الماضي، لكنها ليست موجهة الى استخدام الأجيال القادمة. هكذا فان السجلات تكاد تكون أقرب من حيث طبيعتها الى المواد الصنعية الآثارية.

 

 

توجد ملاحظات بالنسبة للسجلات لا بدَّ من الإشارة إليها: أولاً ليس صحيحاً القول بأن السجلات لا تهتم بصورة مطلقة بالأجيال القادمة. فكما تشير الكلمة في حد ذاتها فان السجلات بمجرد كتابتها صممت لكي يتم الاحتفاظ بها للأجيال القادمة. فالقرارات الهامة لا بدَّ من تسجيلها، وحقوق الملكية لا بدَّ من تحديدها ذلك انه وفي حالة المنازعات المستقبلية يصبح ممكناً الرجوع لها. تهتم السجلات اذن بالمستقبل ولو ان ذلك يكون من منطلق قانوني لا تاريخي. وثانياً من الخطأ عد السجلات مجرد تراكمات من الوقائع الجاهزة. انه على الرغم من احتوائها على إفادات ذات طبيعة مباشرة نسبياً فإنها تحتوي الى جانب ذلك على أحكام ومصالح وآراء وانحيازات يمكن ان تكون حتى الوثائق الدنيوية الطابع مثل الحسابات وسجلات الألقاب. بمعنى آخر فان السجلات، مثلها مثل المدونات، تحتوي على عنصر ذاتي لا بدَّ للمؤرخ من الالتفات إليه. لكن بما ان العنصر الذاتي في السجلات هو عنصر معاصر للأحداث الموصوفة فانه يشكل بالتالي في حد ذاته بينة تاريخية أصيلة.

 

 

حتى السجلات الدقيقة والمباشرة يمكن ان تمثل عنصراً مضللاً للمؤرخ. أنواع مختلفة من محاضر الاجتماعات تمثل محاولات لتسجيل الخطب والمناقشات والجدل بخاصة في التجمعات التنظيمية والرسمية مثل اللجان والتحقيقات والمحاكم وما الى ذلك. الكثير مما نتوهم بأنه سجل مباشر لحديث، أو ما قد نستخدمه لإدخاله في تنصيص، هو في الحقيقة إعادة صياغة فعلية تتم بعد وقوع الحدث نفسه. تكتب معظم محاضر الاجتماعات، على سبيل المثال، بعد ساعات أو أيام على انتهاء الاجتماع إما على أساس أشرطة تمَّ تسجيلها خلال انعقاد الاجتماعات أو على أساس مسودات كتبت بخط "سكرتارية" سريع بحيث قد تكون الاختلافات بين المحاضر المبدئية الأصلية والنسخة الأخيرة كبيرة. كل سجل من هذا النوع هو تلخيص ذاتي لما يعتقده كاتب المحضر السجل مهماً ويستحق الذكر في الآن نفسه. وقد يرفض تسجيل ما يرى انه غير مهم.

 

 

رغم ان معظم السجلات والمدونات تكون في حالتها الأصلية بحسبانها مخطوطات على المؤرخ ان يتذكر انه ومنذ اختراع آلة الطباعة أصبح جزء من السجلات والمدونات مطبوعاً. فعلى سبيل المثال فان الصحف التي هي مصدر هام للتاريخ الحديث هي بمثابة المدونات في وقتنا الحاضر. الكثير من التقارير الرسمية- التي هي نوع حيوي من السجلات - يمكن اغتناءها في شكلها المطبوع فقط. وبما ان الطباعة تمثل تقنية لاستخراج أعداد هائلة من النسخ فان الطبيعة الآثارية لهذا النوع من المصادر تختلف نوعاً ما عن الطبيعة الآثارية للمخطوطات (التي هي فريدة في الأساس). فالوثيقة المطبوعة يمكن ان تعد نسخة صحيحة لمخطوط أسبق رغم ان هذا الأخير نادراً ما يحتفظ به.

 

 

واضح، إذن، انه ليس هناك ما قد يكون الواقعة التاريخية نفسها التي يقوم المؤرخ بقراءتها وفهمها بدون تعقيد. ليس لدى المؤرخ من طريق لمعرفة الماضي خلافاً لبينته الوثائقية أو الآثارية، والأولى منهما هي في الأساس ذاتية وغير مباشرة. ما يسمى بـ"وقائع" التاريخ هي إفادات لا حصر لها عن الأحداث والأماكن والتواريخ والشخصيات والسلوك، لا يوجد في العادة خلاف حولها بخاصة عندما تكون هناك وفرة من البينات المعززة. إلا أن الواقعة تختلف عن الحكم التفسيري من حيث درجة تعقدها ذلك لكونها تمثل إفادة برأي أقل تعقيداً. ان إفادة معروفة مثل "سقوط الخرطوم في 26 يناير 1882 بأيدي الدراويش" تحتوي على إفادتين لواقعة تاريخية تمت صياغتها بقدر من التحيز ذلك ان الخرطوم لم تسقط وإنما تمَّ تحريرها من المحتل الأجنبي من قبل لا الدراويش وإنما الثوار السودانيين المهديين. هذا بالإضافة الى ان الإفادة لجأت الى استخدام التاريخ المسيحي وهو ما يعني شكلاً من أشكال التحيز الديني المعبر عنه من خلال فرض نظام مسيحي للتاريخ على ثورة تحررية إسلامية في عالم غير مسيحي. بالطبع قد يقال ان تلك موضوعات منهجية فلسفية الطابع لكنها تثبت النقطة الأساسية بأن الوقائع غير المعقدة هي "مصنعة" و "معادة التركيب" و "مُفسَّرة" كما هو الحال بالنسبة لأنماط العلة والمعلول. وكان ادوارد كار قد ميز بين "وقائع الماضي" وبين "الوقائع التاريخية" الفعلية. في اعتقاده تكون الواقعة تاريخية فقط في حال استخدامها في تفسير، اذ أنه بدون استخدام الواقعة من قبل مؤرخ فإنها تظل مجرد واقعة من "وقائع الماضي". لا شك ان هذا التعريف خاص بادوارد كار، لكن ما يهمنا هو التأكيد على وجود فرضية تاريخية تجعل من كل واقعة حقيقية أمراً بارزاً (أي كونها ذات معنى وهو ما لا يعني بالضرورة كونها مهمة). ليس اختيار الوقائع هو مجرد إفراز المعلومات الهامة عن غير الهامة بل هو الكشف عن الوقائع المناسبة للموضوع وتفسيره. بالتالي ليس هناك واقعة تاريخية غير ذات أهمية إطلاقا - لكل واقعة تاريخية أهميتها في محتوى بعينه. خير دليل المثال الذي ساقه ادوارد كار عن بائع خبز في مدينة ستاليبريدج مات رفساً في عام 1850 تحت أقدام الدهماء الثائرة. مثل هذه الواقعة قد لا تكون ذات أهمية بالنسبة للمؤرخ السياسي، لكنها يمكن ان تثير اهتمام المؤرخ المهتم بالظروف الاجتماعية أو بالقانون والنظام أو بالأسواق أو حتى المهتم بالتاريخ المحلي لمدينة ستاليبريدج.

 

 

تنحصر إحدى أهم نتائج مقارنة المصادر في القدرة على تمييز "الشكل العام". الكثير من الوثائق، بخاصة ذات الهدف القانوني أو الإداري، لها خطة موحدة وتلجأ الى استخدام تعبيرات محددة.

 

 

يتقدم عمل المؤرخ الوثائقي، شأنه شأن عالم الآثار، بانتظام ليصبح رياضياً وقياسياً. حيثما تسمح البينة لا بدَّ من الاعتراف بكون الأعداد هي أدوات أكثر دقة للمعنى التاريخي مقارنة بالكلمات العامة التي لا تفعل شيئاً أكثر من الإشارة الى القياسات (أكثر، وأقل، واحتمالاً، وتقريباً الخ.). أكثر من ذلك هناك العديد من المصادر التاريخية التي اما ان تستخدم الأعداد مباشرة (مثل الحسابات والإيجارات) أو تعطي قوائم طويلة للتفاصيل مطالبة بالقياس. استنتاجات المؤرخ في موضوعات مثل الديموغرافيا والبناء الوظيفي يمكن التعبير عنها واختزالها بصورة أفضل من خلال الأرقام والرسوم البيانية. بالطبع على المؤرخ مراعاة حقيقة ان مثل هذه الأساليب قد تظهر إغراء بالاستمرار فيها الى درجة تخرج فيها عن السيطرة، ومعلوم ان لا أحد يستمتع بالتاريخ المنتج كلياً من خلال كروت مثقوبة ورسوم توضيحية وقائمة بالمحتويات والحاسوب. لكنه ولضمان نتائج أكثر إيجازا ودقة لا بدَّ ان يقوم التحليل العددي بدور متزايد في دراسة التاريخ.

 

 

لا يستطيع المؤرخ عصر الوثيقة الى درجة تجفيفها دون ان ينظم بشكل دقيق وكفاءة عالية المعلومات التي تعطيها. ومن ثمَّ فانه وبعد التفكير في المعنى الدقيق للكلمات الخاصة بالموضوع يتوجب على المؤرخ ان يبني (إما ذهنياً أو على الورق) سلسلة متماسكة من التفاصيل وان يغوص في الأسئلة التي تساعد على فرز الإفادات. ورغم ان الأسئلة قد تحمل فرضيات تفسيرية في داخلها فإنها تمكن المؤرخ من تنظيم المعطيات لفظياً وعددياً وهو ما قد يقوده الى تحسين عدد من الأحكام الخاصة بالوقائع.

 

التركيب

ينتج عن تفسير الإفادات المقررة وقائع مختبرة تمثل ضرورة أساسية للكتابة التاريخية لكنه، حسب هوسكنس، فان تلك هي "البطاطس غير المطبوخة وليست الوجبة الجاهزة". تبقى هناك مهمة التركيب المبدعة للوقائع من خلال إعادة البناء التاريخية الأصيلة، والتعبير عن إعادة البناء تلك بوضوح بلغة إنسانية. تساعد في إنجاز هذه المهمة ثلاث عمليات مختلفة جميعها تفسيرية:

 

 

1) بعد اتخاذ القرار بأي من الجوانب الخاصة بالموضوع يشرع المؤرخ في التركيز على الترتيب الذي ينوي من خلاله معالجة تلك الجوانب. على المؤرخ ان يبدأ بفرز وقائعه وتجميعها وتحديد مرجعيتها، وان يتأكد من ان الشبيه مرتبط بالشبيه وان كل العلاقات السببية الممكنة بين الوقائع تم أخذها في الحسبان. ويتم التصنيف عادة من خلال الربط بين الموضوع والمرحلة والمكان والأشخاص.

2) يحاول المؤرخ بالحسابات المنطقية أو العددية خلق وقائع جديدة كلياً تساعده في تغطية بعض الفجوات في السجل والتي تظهر أهمية معلومته الأصلية. على سبيل المثال قد يستطيع المؤرخ المحلي بدراسته لسجلات محلية ان يظهر انه في عام بعينه توفى خمس سكان المنطقة مع ان المصادر الأصلية لم تشر الى تلك الإفادة. هذه، إذن، واقعة جديدة جزئياً لفظية وجزئياً عددية، انها تعمم بمستوى أرفع العديد من الإفادات المختلفة المخصصة في السجل.

3) سيبني المؤرخ في ذهنه تفسيراً شمولياً نهائياً للموضوع الذي هو مع ذلك وجهة نظره الخاصة عن الماضي، لكنه يحتوي ولا شكَّ أفكاراً مشتقة من أعمال مؤرخين آخرين. وجهة النظر تلك هي محاولة لرؤية شكل لكم هائل من التفاصيل ونمط لها ومحاولة لإفراز الوقائع الهامة عن الوقائع الأقل أهمية طبقاً للحجج المقدمة. في هذا التركيب الأخير سيتم ربط أنواع من الوقائع كثيرة مختلفة يكون بعضها غير معقد وذو طبيعة خاصة (مثل تاريخ ميلاد أو يوميات رحلة)، ويكون بعضها الآخر من النوع الأكثر عمومية (مثل مستوى المعيشة في فترة محددة)، ويكون بعضها شاملاً لظواهر نفسانية معقدة (تتعلق مثلاً بدوافع الأفراد وشخصياتهم). في هذه المرحلة فان الكثير من الوقائع المتحصل عليها نتيجة جهد شاق قد توضح عدم أهميتها بالنسبة للحجج المقدمة ومن ثمَّ يتم استبعادها.

 

تجهيزاً لنفسه لأداء مهامه على المؤرخ ان يتسلح بخاصتين رئيستين: أولاً عليه ان يكون موضوعياً قادراً على إخضاع بينته في كل مرحلة لتحليل نقدي هادئ. في الموقف التاريخي لا بدَّ وان يكون كل شئ خاضعاً لتفسير موضوعي حتى عندما يكون الناس قد تصرفوا بأكثر الطرق لا موضوعية بل وجانحة الى حد ما. ثانياً ضرورة التسلح الذهني المتمثل في خصوبة الخيال المدعوم بالمعرفة اللامصدرية بالضرورة لدى المؤرخ. انه ونتيجة للطبيعة غير المكتملة وغير المباشرة للبينة الوثائقية عادة ما يضطر المؤرخ الى اللجوء الى الحكم بنفسه على العلاقة الفعلية بين الأحداث، وعلى أفكار الناس ودوافعهم الحقيقية في الماضي. ولا يعني الخيال هنا الشطحات بل ذلك نوع من الخيال المؤسس على البينة المتوفرة فعلياً والذي لا بدَّ من التحكم فيه عبر الإطلاع والتجربة. حري بالقول ان توفر فهم عميق للمرحلة والتعاطف معها يؤلفان معاً جزءاً مهماً من العملية.

 

 

كيف إذن، يتوصل المؤرخ الى تفسير نهائي؟ حين يبدأ المؤرخ في تحديد الأبعاد الخاصة بموضوع دراسته فانه سوف يركز اهتمامه على الأحكام والآراء التي صدرت وقيلت حول الموضوع سواء من جانب المعاصرين له أو من جانب كتاب المدونات أو المؤرخين السابقين. على ضوء البينة القديمة والحديثة سيجد المؤرخ نفسه مضطراً الى قبول بعض الأحكام مع تشككه في أخرى. يتكون لديه بالتدريج تفسير جديد مما يدفعه الى التفكير في البحث عن مصادر جديدة للمعلومات ويتحصل عليها بما يؤكد تفسيره أو يفرض عليه تعديله. هناك بالتالي حركة تبادل مستمرة في كل الأوقات وعلى كافة المستويات بين المعلومة الأساسية والفرضية الناشئة. لا يلجأ المؤرخ إذن الى التفسير إلا بعد ان يكون قد عبر مراحل سابقة للبحث ملتزماً بإتباعها ذلك انه بمجرد ان فكرَّ في موضوع بحثه شرعَّ فوراً في عملية مستمرة من ممارسة التفسير وإعادة التفسير. ان تلك عملية شاقة ومرهقة تشتمل على اختبار أفكار لا حصر لها يتم قبول بعضها ورفض غالبيتها وصولاً الى مرحلة يبدو فيها التفسير ملائما ومتوافقاً مع كل الوقائع المتوفرة المناسبة حيث لم يعد الوصول الى المزيد من الوقائع ممكناً، كما لم يتم استبعاد وقائع غير مناسبة. النتيجة النهائية للعملية التاريخية هي وصف أصيل وشخصي لما قد حدث في الماضي. انه وصف يحتوي على فرض حجة أو نمط شخصي على بينة متباينة بحسبان ان ذلك هو ما يتوافق بصورة أقرب مع الحقيقة المعقدة. في التحليل النهائي فان الحقيقة التاريخية لا يتم إثباتها وإنما ينشئ المؤرخ بعد كل دراساته المستفيضة وتفكيره العميق فرضية أو إعادة تركيب يعتقد ويجادل بأنها غالباً ما تكون حقيقة.

 

موضوع منهج البحث التاريخي


المحتويات الشاملةنصوص ملوك كوشمؤتمرات علميَّةعرض الكتب والدراساتتقارير أعمال التنقيبملوك وملكات كوشالديانة الكوشية

الكتاب الكلاسيكيون