أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

 

محاضرات في منهج البحث التاريخي: من التقنيات الى المنهح - 3

الفصل الأول

تفسير البينة الآثارية المادية

 

نحاول بداية إلقاء نظرة معمقة في طبيعة البينة الآثارية والكيفية التي تحلل بها وتفسر ليتم تركيبها بحسبانها رواية تاريخيةً مقبولة، بمعنى آخر، كيفية استنباط التاريخ بمعناه الواسع من واقع السجل الآثارى: كيف يتسنى لعلماء الآثار استنطاق موضوعات بكماء مثل شقوف الفخار، والسيوف، والسكاكين، وحفر أعمدة المباني لتحكي لنا عن الطرق التي عاش بها بنو الإنسان في الماضي؟ كيف يتمكن علماء الآثار من إعادة تركيب سلوكيات بني الإنسان وأفكارهم من خلال دراسة المواد البكماء؟ لا شك انه لدى مناقشة طبيعة علم الآثار سوف نجد أنفسنا، في مثل هذه الحالة، نتعرض بحجم أكبر لمرحلة ما قبل التاريخ وسنلجأ الى الاستشهاد بأعمال علماء آثار ما قبل التاريخ. إلا أن ذلك لا يعني بحال ان ما قبل التاريخ مصطلح مرادف لعلم الآثار. فالحقيقة انه في مجال ما قبل التاريخ تحديداً بالامكان رؤية علم الآثار وهو يعمل بمفرده فيما وصفه هاوكز بحالة "الوضع المتحرر من النص" ذلك ان علم آثار ما قبل التاريخ يتعامل مع مراحل التاريخ الإنساني السابقة لظهور الكتابة.

 

 

 

دعونا نعود لما ذكرناه في التمهيد عن طبيعة البينة الآثارية بإيجاز: إنها تتكون من موضوعات منقولة (فخار، وأدوات، وأسلحة الخ.) وموضوعات غير منقولة (تلال جنائزية، وأنظمة للري، ومعابد الخ.) كل تلك صغيرها وكبيرها صنعها الإنسان من مواد خام، ومن ثم فإنها بالتحديد الدقيق مواد صنعية، أي منتجات للمهارة الإنسانية. لكن لا بدَّ من الاعتراف بأن البينة الآثارية يمكن ان تتألف أيضاً من موضوعات طبيعية كلياً والتي لها علاقة بالحياة الإنسانية. يمكن ان تكون تلك الموضوعات الطبيعية صغيرة مثل عظام الحيوانات، ولقاحات الحبوب، والبذور، والأصداف، أو أنها قد تكون كبيرة مثل المنظر الطبيعي، والأراضي الحصوية المستوية بمحاذاة الأنهار والوديان.

 

 

 

يتوقع القارئ للتقارير الخاصة بنتائج أعمال التنقيب الآثارى ليس فقط سجلاً بالمواد الصنعية التي تمَّ الكشف عنها، وإنما إضافة الى ذلك وصفاً لموضع تلك المواد في المكان الذي احتواها، أي وصفاً للطبقات أو تسلسل الطبقات الاستراتيجرافي. مبدأ التسلسل الاستراتيجرافي سنشرحه لاحقاً، لكن يجدر التعقيب في هذه المرحلة بأن تلك الطبقات قد تكون طبيعية، أو أنها قد تكون اصطناعية، أو أنها قد تكون مزيجاً من الاثنتين. تتكون الطبقات الطبيعية من ذرات الصخور، التي تغير تركيبها نتيجة تعرضها لعوامل جوية متراكمة بفعل عمليات الترسيب الغرينية أو التعرية بالرياح أو نتيجة نشاط دود الأرض. وتتكون الطبقات الاصطناعية من المادة السوداء الناشئة نتيجة تحلل المواد النباتية أو الحيوانية لتشكل الجزء العضوي للتربة، كما وتتكون الطبقات الاصطناعية من بقايا المساكن وأطلالها ومن نشاطات الإنسان الاقتصادية المختلفة. لا بدَّ ان نشير الى ان الطبقات الطبيعية "النقية" يمكن ان تكون ذات أهمية آثارية كبيرةعلى سبيل المثال الطبقات الطبيعية "النقية" المحتواة بين الطبقات السكنية في الكهوف والسقائف الصخرية [وهي التي يطلق عليها تسمية ألراق المعقم] فإنها تعطي إمكانية تصور الفترات التي كان فيها الموقع مهجوراً. لا تمثل الطبقات الجيولوجية تحت الموقع حداً لتسلسل الطبقات فحسب وإنما تمثل عوناً مباشراً لتحديد الأسباب الدافعة الى تأسيس الموقع بدايةً. كل الطبقات سواء الطبيعية منها أو غير الطبيعية الاصطناعية أو التي تمثل مزيجاً من الاثنين، تشكل جزءاً أساسياً في البينة الآثارية ذلك أنها كلها تضيف معلومة الى التاريخ الإجمالي للموقع من حيث حياة الإنسان وسكناه فيه أو هجرته منه.

 

 

 

إن المواد الصنعية هي، على حد تعبير جوردون تشايلد، "التجسيد الفعلي للأفكار الإنسانية"(1) ورغم ان تلك الأفكار ضمنية يتوجب على عالم الآثار استنباطها فإنها تمثل بينة تاريخية حقيقية وحيوية. وبما ان المادة الصنعية هي نتاج للفكر الإنساني أو لمقدرات الإنسان المعرفية فانه يجوز من ثم القول بأنها تجسد الفكر وتمثله، ذلك هو تحديداً مصدر ادعائها الوحيد بأن تكون ذات قيمة تاريخية. نود ان نشير هنا الى ان كلمة "فكرة" تستخدم في هذا السياق بمعناها الواسع بحيث تشمل الاحتياجات والدوافع، والمعرفة التقنية، والعادات والسلوك التي يختطها المجتمع على الأفراد. انها تعبر عن الأسباب التي يمكن ان تكون قد تحكمت في عقل الشخص، أو شكلت مصدراً إعلاميا أثناء قيامه بتجهيز المادة الصنعية المعينة.

 

الهدف من المواد الصنعية وتجهيزها

إذا جهزت مادة صنعية لغرض استخدام محدد فإنها تجسد ذلك الغرض أو تحتفظ به، أو أنها تكون تعبيراً عنه في شكل مادي. فالمادة الصنعية هي بمثابة هدف إنساني مطبوع على مادة لا حياة فيها. ان الهدف في عقل الصانع لفأس يدوية واضح وجلي فكأنه يقول لنا "أنني أشكل هذه الأداة بحيث يمكن استخدامها لقطع الأشجار بطريقة فاعلة". مثل هذه الإفادة يمكن طرحها بطرق شتى عبر استخدام كم هائل ومتنوع من الكلمات. إلا أن ذلك لا يعني شيئاً طالما ان عالم الآثار سوف يعمل بوسائله الخاصة للاستقصاء التجريبي على إعادة تركيب الهدف الأساسي لأفكار الصانع. لاحقاً سيكون أمامنا واجب استجلاء تلك الوسائل والمبادئ التي تقوم عليها، إلا ان ما يهمنا حالياً ولازال هو طبيعة البينة في حد ذاتها. يبدأ الصانع في تجهيز موضوعه، الذي يهدف من خلاله الى إنجاز وظيفة محددة، متقيداً بالمعايير التقنية للعصر وبالأدوات الشائعة في مجتمعه. قد لا يقوم الصانع نفسه باستخدام ما أنتجه وقد يبيعه الى شخص آخر، لكن يظل الهدف النهائي هو نفسه دون تبدل. إذا كان لا بدَّ من الكشف عن الأهمية التاريخية لموضوع ما فان الغرض منه لا بدَّ من التعرف عليه وتحديده. تجسد الغالبية العظمى من الموضوعات التي يصنعها الإنسان أفكاراً هادفة فالتصميم يحوي الغرض، والغرض يحوي بدوره فكرة.

 

 

 

عادة لا يعترينا شك عندما نواجه موضوعاً من صنع الإنسان ذلك ان الموضوع يكون هادفاً لغرض. انه طبقاً للتجربة الإنسانية المعروفة لا يوجد رأس سهم يكون نتاجاً لعملية طبيعية، في حين ان هناك الكثير من النظائر، سواء في سجل المجتمعات المعاصرة أو التاريخية، التي تشير الى ان بني الإنسان قادرون على صناعة مثل ذلك الرأس للسهم بحيث يتم تزويد السهم بحد أمامي فاعل. ينطلق حكمنا على الموضوع من النظر الى التناسق والدقة والانتظام بحيث نستبعد ان يكون الموضوع بشكله هذا نتاجاً لعوامل طبيعية. لكن علينا ان نعي حقيقة ان مثل تلك القرارات لا تجيء باستعجال خاصة إذا كانت المنتجات الإنسانية خشنة الصنع أو إذا كانت النظائر نادرة.

 

 

 

لا زالت هناك موضوعات يتردد علماء الآثار في قبولها بحسبانها نتاجاً لمهارة الإنسان. خير مثال نسوقه الجدل طويل الأمد بين علماء آثار ما قبل التاريخ بشأن ما يعرف باسم "الأدوات الفجرية" (الايوليتية). مما لا شك فيه ان أقدم الأدوات الحجرية التي صنعها الإنسان والتي سميت بذلك الاسم كانت خرقاء الى درجة دفعت بكبار العلماء الى التشكك في مصداقيتها لفترة طويلة. وقد تعمقت تلك الشكوك نتيجة ان الحجر يمكن ان يتخذ، في حالات، شكل تلك الأدوات الخرقاء بفعل عوامل طبيعية صرفة. وكان عالم الآثار البلجيكي شميرلنج هو أول من اعترف بوجود الأدوات الفجرية ومصداقيتها بحسبانها نتاجاً للمهارة الإنسانية. وقبل ما يزيد عن المئة وسبعين سنة عثر بوشي دي بيرت على عدد من الأدوات الفجرية في الترسبات الحصبية في وادي نهر السوم بفرنسا. لكن بوشي ورفاقه من علماء الآثار الفرنسيين واجهوا صعوبات جمة في إقناع علماء الآثار الإنجليز بمصداقية تلك الأدوات بحسبانها نتاجاً للمهارة الإنسانية. لكنه وبعد ان قام فريق من علماء الآثار والجيولوجيا الإنجليز بزيارة الى وادي نهر السوم وشاهدوا المعطيات الفعلية بشكل مباشر بدأت خطوات باتجاه تقبل وجهة نظر بوشي دي بيرت. ومهما كان الأمر فقد تم العثور على الأدوات الفجرية في انجلترا وبلجيكا والبرتغال والجزائر وتونس وبورما ومناطق أخرى. ويرجع تاريخ تلك الأدوات التي تمَّ الكشف عنها في الجزائر للطور الرباعي، بينما تنتمي آثار بورما لعصر الباليوسين الأسفل. وتشكل الأدوات التي اكتشفها ريدر موير في انجلترا أهمية خاصة إذ يعتقد أنها ترجع لعصر الباليوسين/البليستوسين. وكان بنيامين جيرسون هو أول من أعلن من العلماء الإنجليز مصداقية الأدوات الفجرية وذلك بعد ان نجح في العثور على بعض تلك الأدوات في محافظة كنت Kent بانجلترا، لكن جون ايفانس وآخرون نظروا سلباً الى تلك المكتشفات مما دفع بالباحث لستر الى القول: "إذا كان مؤيدي فرضية الأدوات الفجرية أنفسهم يمتلكون تصوراً ملبداً بالغيوم فما بالهم ينتظرون من الآخرين". تشكل عبارة لستر نوعاً من التحوط في الوصول الى استنتاجات متعجلة بشأن هذا النوع من الأدوات (2).

 

 

 

ينطبق الشيء نفسه على الآثار الميدانية. يدرب عالم الآثار نفسه بسرعة على التعرف على المنشئات والسدود الترابية المصنوعة من قبل الإنسان وتمييزها عن الظواهر الطبيعية. الآثار التي يصنعها الإنسان لها شكل ونمط وانتظام وهو ما تفتقده الآثار الطبيعية عموماً. لكن حتى هنا فان احتمال الارتباك وارد من حين الى آخر.على سبيل المثال فان خط متصل للحجارة على جانب تل قد يكون أساساً لجدار سابق أو قد يكون ظاهرة لنطاق جليدي نتيجة ذوبان طبقة جليد تحت تربية. لقد تمكن علماء الآثار من مراكمة خبرات معتبرة في هذا المجال خلال الستين سنة الأخيرة.

 

 

 

بمجرد تثبيت حقيقة ان موضوعاً ما هو نتاج للمهارة الإنسانية يتوجب على عالم الآثار ان يسال نفسه عن ماهية الغرض من صناعة هذا الموضوع. هنالك عدد لا بأس به من الموضوعات في السجل الآثارى التي لا يعرف لها غرضاً. خير مثال تقليدي هو الموضوعات المصنوعة من المعدن والتي تتميز بشكل ذي اثني عشر ضلعاً (دوديكاهيدرونس) التي تمَّ العثور عليها في الولايات الرومانية الشمالية الغربية. تلك الموضوعات لم يقدم تفسير مقبول لها حتى اليوم وذلك نظراً لغياب نظائر لها معاصرة كانت أم تاريخية. جرت محاولات لتفسيرها بطرق شتى إذ يقال تارة أنها مناصب للشموع، وتارة أخرى بأنها تستخدم لأغراض دينية رمزية، وتارة ثالثة بأنها أدوات للمساحة. ان الكثير من المكتشفات والمواقع التي تشكل معضلة يفترض بامتلاكها قيمة طقوسية. والأمر كذلك فانه يتم إلصاق غرض رمزي بها وهو غرض يصعب الوصول الى مصداقيته ذلك ان الفكرة المحتواة كانت على مستوى ذهني وروحي عالٍ لا يمكن التعبير عنها إلا حديثاً أو كتابة. قد نفترض انها ارتبطت باعتقاد في شكل من أشكال المعبودات أو الأرواح، أو أنها ارتبطت بشكل من أشكال الاعتقاد بحياة ما بعد الممات. قد يكون مثل ذلك الافتراض سليماً ومقبولاً لكننا لا نعلم شيئاً أبعد من ذلك.

 

 

 

في حالات قد تمد المعطيات الاثنوغرافية* يد العون لعلماء الآثار في تفسير بعض الموضوعات الصنعية. فعلى سبيل المثال كان الكشف قد تمَّ في بعض مواقع الثقافة الأزيلية الحجرية الوسطى (في مغارة كروزاد بالقرب من ناربون، وفي مغارة ريتا بجبال كانتابريا في أسبانيا، وفي بيرزيك بسويسرا) عن كميات كبيرة من الحصى المزخرفة التي احتفظت بالرسوم التي تغطيها وبألوانها بفضل ترسبها في طبقة من التراب الجاف. كانت تلك الحصى ذات سطح رمادي أو أقرب الى اللون الأبيض وزخرفت بلون أحمر مخلوط بالدهن. غطى سطح بعضها بداية بلون وردي ناصع ومن ثمَّ زخرف بلون أحمر غامق. وتتكون رسوم الزخرف من أشكال أقرب بالبقع البيضاوية أو خطوط قطرية أو أية أشكال تخطيطية مختلفة: صليب أو خطوط متعرجة أو نجوم. في حالات نادرة للغاية تبدو تلك الرسوم وكأنها أشكال تخطيطية لإنسان أو حيوان. لفهم الغرض من تلك الحصى اضطر علماء الآثار الى الرجوع للمعطيات الاثنوغرافية المتوفرة. هكذا اتضح وجود تصورات دينية محددة لدى قبيلة الارونتا التي تعيش في الأجزاء الوسطى من استراليا، ترتبط بمصنوعات خشبية أو حجرية مغطاة بزخرف ملون تطلق عليها تسمية "شورنجا". ورأى العلماء تشابهاً كبيراً بين الشورنجا الاسترالية والحصى الأزيلية الأوروبية المزخرفة. كان الدور الوظيفي للشورنجا، حسب المفاهيم السائدة لدى الارونتا، إنها تمثل مكاناً للاحتفاظ بأرواح الأقارب. كل رجل وكل امرأة من الارونتا لا بدَّ ان يمتلك/ تمتلك شورنجا خاص به/بها والذي يمثل مكاناً لا بدَّ ان تعود إليه أرواحه الخاصة الموروثة عن أقربائه الذين قضوا نحبهم. انطلاقاً من هذه الأهمية الكبرى للدور الوظيفي للشورنجا فان الارونتا يولون عناية فائقة للحفاظ عليه وحمايته من الأعداء بإخفائه داخل كهوفهم. هكذا فسر عدد من علماء الآثار الحصى الأزيلية المزخرفة بحسبانها ذات دلالة مثولوجية مشابهة لما نجده عند الارونتا **.

 

الأفكار عن الأساليب والتقنيات الفعلية للصناعة محتواة هي الأخرى في المواد الصنعية. بتعبير آخر توجد وراء كل موضوع يصنعه الإنسان مبادئ محددة تتحكم في تجهيزه. ففي حال الفأس اليدوية، على سبيل المثال، كانت هناك أفكار ومبادئ واضحة فاعلة في اختيار قطعة الظران الملائمة، وفي اختيار نوع الحجر الذي استخدم مطرقة، وفي قوة الضربات وتوجيهها، وفي إنتاج سطح مدبب وحاد عن قصد. ان للصانع قبل التصنيع وأثناءه فكرة في عقله ليس فقط عن ما هو بصدد إنجازه وإنما كذلك عن الكيفية التي سوف ينجز بها العمل. انه، مثله مثل النحات، شاهد شكلاً مثالياً حبيساً داخل عجيرة الظران ومن ثم يعمل بوعي وعن قصد بصورة منتظمة للكشف عن ذلك الشكل المثالي المحبوس. لا تعتمد الأفكار عن أساليب الصناعة ومبادئها فقط على مهارة الفرد لكنها تعتمد على الفرد الذي تمَّ تدريبه وفق تقاليد صناعية حرفية خاصة بمجتمعه.

 

عادة ما يقضي الحرفيون وقتاً في التدريب يتعلمون خلاله التعرف على خواص المواد الصنعية التي يتقبلها المجتمع بحسبانها عادية، والوسائل التقنية لصناعتها. ومن ثمَّ فان الدراسة المتأنية للمواد الصنعية لا بدَّ ان تمكن عالم الآثار من استنباط الطرق التي من خلالها تمَّ تصنيع تلك المواد. هذا هو أقل ما يمكن إدراكه، بل على عالم الآثار ان يدركه.

 

يقال أحياناً ان البينة الآثارية لا تكذب لكن يساء في أحيان تفسيرها. عموماً تبدو صحة مثل هذه الإفادة ذلك ان البينة الآثارية هي من النوع الأبكم، وان الأفكار التفسيرية هي استنتاجات يتوصل إليها الدارس لها. إلا أن ذلك لا يستبعد احتمال الخدع المقصودة عن عمد التي كثيراً ما حدثت وتمَّ فضحها في حينها. يحاول المزور للبينة الآثارية خدع المعاصرين له لحملهم على الاعتقاد بأن غرض الموضوع ينتمي الى الماضي في حين ان الغرض هو غرض حديث الخدعة والغش والكذب. المزور وهو يفعل ذلك لا بدَّ ان يكون مدركاً للفترة التي هو بصدد تقليد مصنوعاتها، بخاصة أساليب الصناعة في تلك الفترة، كما لا بدَّ ان يكون مدركاً لمستوى المتخصصين في علم الآثار الذين يسعى الى تمرير خدعته عليهم ومدركاً للمعايير التي يستخدمونها لقياس الأصالة. تكمن مهمة الباحث، كما هو الحال دائماً، في توضيح الغرض الحقيقي الذي يتم التفسير على أساسه.

 

تفسير المواد الصنعية

يميط عالم الآثار اللثام عن الأفكار المحتواة في الموضوع من خلال طرح أسئلة ثم الإجابة عليها، ذلك هو الأسلوب المنطقي الهادف الى تركيز الانتباه وربط الأفكار بصورة تسلسل منتظم. لكنه من المهم للغاية طرح النوع الصحيح من الأسئلة، أي الأسئلة المناسبة التي يتوقع ان يمتلك الموضوع القدرة على الإجابة عنها. هكذا فانه يعدُّ ضرباً من عدم الإدراك السليم توجيه أسئلة الى موضوع أبكم غير مكتوب عن اسم صانعه أو لغة حديثة أو انتمائه العرقي. مثل تلك الأسئلة يمكن ان تجد إجابات لها فقط في نوع البينة الوثائقية التاريخية وفي نوع البينة الانثروبولوجية. ان موضوعاً مثل أداة للاستخدام اليومي يمكنه ان يساعد في التوصل الى استنتاجات، لا في التوصل الى اسم صانعه ولغته وانتمائه العرقي، عن الشكل، والأسلوب، والمادة المصنوع منها، وتقنية التصنيع، والغرض الذي صنع من أجله. يمكن للدارس لموضوع صنعي ان يسأل، مع وجود فرصة معقولة للحصول على إجابة، عدداً من الأسئلة: كيف صنع الموضوع ومن أية مادة؟ ما هو الغرض من تصنيعه؟ هل توجد نظائر له؟ بماذا ارتبط الموضوع؟ ما هو ما يمكن معرفته نظرياً من طبيعة مادة صنعية منفردة فرضاً بأنها غير محددة استراتيجرافيا ولا وجود لنظائر لها؟ انه، كما أسلفنا القول، فان المادة الصنعية لم تتشكل عشوائياً وإنما لان الصانع كانت لديه دوافع واحتياجات، ولأنه ورث مبادئ تقنية محددة. لكن اذا افترضنا، على سبيل المثال، ان الغرض من فأس يدوية حجرية غير معروف كلياً فكيف يتسنى لعالم الآثار إدراك ذلك الغرض؟ يبدو ان الخطوات التي يتوجب عليه إتباعها تتلخص في الآتي:

 

 

 

أولاً: سيسأل عن مدى دقة صناعة الموضوع. سيلاحظ بسرعة ان الموضوع ثقيل الوزن، وشُكِّلَّ بعناية بحيث جاء متناسقاً، وصُنع من صخرة مسطحة جيداً، وزُودَّ بطرف واحد حاد. إذا كان الطرف قد عُرضَّ للتشظية وضُربَّ بعنف فان عالم الآثار سوف يستنتج بأن الموضوع استخدم لأغراض قطع مادة سميكة. الأسئلة الأخرى سترد تباعاً بدورها. في حالة الشكل المصنع جيداً وباتزان فقد يبدو لعالم الآثار ان الأداة التي بين يديه كانت مركبة على حامل خشبي أو مقبض. وقد يلاحظ آثار الخدش والكشط التي ربما تكون قد نتجت عن حركة الحامل أو

 

 

 

المقبض الخشبي. فإذا قام عالم الآثار بصناعة نسخة من الفأس وركبها على حامل خشبي فسوف يكتشف بأنه قام بصناعة أداة فاعلة يمكن استخدامها لغرض قطع الأخشاب. وبالتركيز مجدداً على أسلوب الصنع قد يجد ان الحجر تمَّ تسطيحه بدقة وتمَّ من ثمَّ شحذه وصقله. هكذا يتم بالتدريج خطوة اثر خطوة الوصول الى استنتاجات عن مستوى الصناعة وعن الطريقة التي استخدم بها الموضوع احتمالاً وعن كلمة مناسبة لوصفه.

 

 

 

عند دراسة مادة صنعية منفردة سيسأل عالم الآثار نفسه عما إذا كانت هنالك نماذج أخرى، وسوف يبدأ بالبحث بصورة منتظمة عن النظائر في التقارير المنشورة عن نتائج أعمال التنقيب الآثارى المختلفة، وفي المجاميع المتحفية، وفي المجتمعات المعاصرة، وفي تجارب زملائه. ورغم انه توجد في السجل الآثارى موضوعات فريدة فان النظائر توجد عموماً في معظم الأحيان مما يجعل ممكناً إجراء الدراسة المقارنة. لقد قال أحد علماء الآثار ان "علم الآثار في مجمله هو التناظر"(3)، ذلك ان عالم الآثار يبحث عن النظائر الموثوق بها في كل مكان للاستفادة منها بحسبانها بينة ثانوية في تفسير موضوعاته الصنعية. ويمتد البحث عن النظائر من المبادئ والخصائص الطبيعية، مثل الطريقة التي يتفلق بها الظران عند تعريضه للضرب، الى ملاحظة السلوك الإنساني في المجتمعات المعاصرة والمجتمعات الموثقة تاريخياً. ويتم في حالات دراسة النظائر عبر أسلوب التجارب القصدية: استخدام فأس ذات مقبض في منطقة أو مساحة محددة أو إعادة تركيب فرن لحرق الخزف. وسوف يجد عالم الآثار الذي يطرح فرضيات بشأن فاسه ان هناك بعض المجتمعات غير المعقدة تكنولوجياً حالياً وفي الماضي استخدمت فيها موضوعات مطابقة لموضوعه بحسبانها فؤوساً وهو ما سيؤكد صحة استخدامه كلمة "فأس" على موضوعه قيد الدراسة.

 

 

 

كلما تمَّ الكشف عن المزيد من النظائر كلما نشأ المزيد من الأسئلة والاحتمالات. قد يستنتج عالم الآثار ان الطرف القاطع لفأسه قد تعرض الى إعادة تصنيع ذلك انه يلاحظ اختلافاً في النسب وفي التوازن. وقد يجد ان نموذجه يقع ضمن مجموعة الفؤوس الكبيرة ثقيلة الوزن والمسطحة والمصنوعة من نوع نادر من صخور جيدة التسطح. وبدراسته لعينة من الصخر عبر الميكروسكوب قد يتمكن من تصنيف الفؤوس بدقة أعلى طبقاً لبنية الحجر المعدنية. من هنا قد يفكر عالم الآثار في إمكانية التعرف على مصدر الحجر وتتبع المواقع الفعلية لمناجم قطع الحجارة. وأخيراً بمعرفته لأصل الحجر ومعرفته بانتشار الموضوعات التي تمَّ الكشف عنها يمكنه ان يعيد نظم الاتصالات التي انتقلت من خلالها الحجارة المقطوعة أو المنتجات الجاهزة التصنيع. ومن خلال التأمل المستمر في بينته المادية، سواء تمثلت تلك البنية في نموذج منفرد أو مجموعة نماذج، يندفع عالم الآثار نحو مزيد من الملاحظات والمقارنات. جدير بالملاحظة ان ذلك العمل يكون في كل مراحله وصفياً وتفسيرياً في آن معاً.

 

 

 

بعد استنفاذ كافة احتمالات الأسئلة التي من شأن المادة المتوفرة الإجابة عليها سوف يحاول عالم الآثار عندها في العادة تفسير ما يراه من أنماط وارتباطات تجميعاً للبينة في تفسير عام للحياة الماضية.

 

 

 

يعتمد عالم الآثار في تنظيم بينته وتصنيفها وفي تشييد تفسير معقد على أسلوبين أساسيين: التسلسل الاستراتيجرافي الذي تمَّ تطويره في القرن التاسع عشر من جانب علماء الجيولوجيا من أمثال وليام سميث، وهو الأسلوب الذي صار يعرف بـ"طبقة سميث" والذي تمَّ تطبيقه لاحقاً في مجال البحث الآثارى من جانب علماء رواد من أمثال ورساي، وتوماس جيفرسون، وشيليمان. يحتوي هذا على الملاحظة الدقيقة للمواضع النسبية للموضوعات المادية ومحتواها، ويشمل ذلك بصفة خاصة المواضع النسبية للطبقات التي توجد فيها الموضوعات. الأسلوب الثاني هو علم النمذجة (التيبولوجيا)، أي دراسة الكيفية التي تطورت بها أشكال الموضوعات، وهو مبدأ طوره علماء الاحاثة (الباليوانطولوجيا) لدراسة المتحجرات وتصنيفها. ويقدم علم النمذجة أسلوباً مستقلاً تماماً لتصنيف الموضوعات غير المرتبطة بالطبقات، أي غير المصنفة استراتيجرافيا، وغير المصنعة طبقاً لأي من الارتباطات الأخرى.