![]() |
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية |
| Copyright © 2005 ArkamaniEducational Project All rights reserved. |
© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005 مشروع أركامانى التعليمي |
الموضوع 005
التقنية والإنتاج
إيان هودر
ترجمة أ.د. أسامة عبدالرحمن النور
يناير 2005
التناظرات الترابطية المعتمدة على العمليات الطبيعية
التناظرات الارتباطية والمحتوى الثقافي
بعد دراسة التناظرات بشأن الطريقة التي تصل بها الأدوات الصنعية إلى الأرض حيث يتم هناك تعرضها للقلب والتشويه، يكون ممكناً الشروع في مناقشة الطرق التي ينظم بها العالم المادي عن طريق الناس قبل تكسيرها، والتخلص منها وترسيبها. في هذه الورقة يتم اختبار أسئلة مثل "كيف صنع هذا الموضوع؟"، و "ما هو الغرض الذي استخدم من أجله؟"، و "كيف كانت عملية تنظيم إنتاجه؟". استخدام التناظرات للإجابة عن مثل هذه الأسئلة تتفاوت من التناظرات الشكلية حتى الكل- ثقافوية و الارتباطية.
أجريت المقارنات المباشرة لأشكال المواد الصنعية الآثارية و الاثنوغرافية في حالات عديدة عن طريق المحاولات الهادفة إلى تفسير الأدوات. كم كبير من الأمثلة وفره جراهام كلارك في كتابه "أوربا ما قبل التاريخية: القاعدة الاقتصادية" Clark 1952 و الذي دعمه بصور الأدوات الصنعية القديمة والحديثة ورسمها جنباً إلى جنب بهدف التشديد على تشابهها الشكلي. ولدعم تفسيره بوجود تشابهات وظيفية. يقارن كلارك رؤوس الأسهم الثلماء (شكل 1 مقارنة رؤوس أسهم خشبية لاصطياد الطيور والحيوانات الصغيرة من مواقع ميزوليتية في الدنمرك (1و2) ومن مجتمعات معاصرة (3و4)) من مواقع الثقافة المجلموزية الحجرية الوسطى في الدنمرك مع أدوات صنعية حديثة (البوجات، والفوجل، والاسكيمو). ويفترض كلارك بأن الأدوات الصنعية المجلوموزية تتشابه مع نوع تم العثور عليه على امتداد شمال اورآسيا وأمريكا الشمالية يستخدم لصيد الطيور والحيوانات المكسوة بفرو. الحوصلة أن الموضوعات المجلموزية لها الوظائف نفسها. وكما تشير أنواع من رؤوس الأسهم من زامبيا المبينة في (الشكل 2 أنواع مختلفة من رؤوس الأسهم، مستخدمة يستخدمها شعب اللوزي في غرب زامبيا لأغراض مختلفة)، هناك ضرورة لإجراء دراسة أكثر اتساعاً للعلاقة بين شكل رأس السهم ووظيفته.
الموضوعات المبينة في (الشكل3 مصنوعات حديدية من انجلترا (a) وسكتلندا (b) سميت الأخيرة ب "مشط الغزل") مميزة للعصر الحديدي في انجلترا. وظيفتها غير معروفة وظلت مثاراً لسلسلة من التكهنات تقوم على أساس تماثلات مع موضوعات في مجتمعات حديثة وتاريخية Hodder and Hedges 1977. عندما عرض ستوكلي Stukeley رسماً لاثنين من تلك أمام جمعية جامعي التحف في لندن، نُظر إليهما من وجهات نظر مختلفة فمن قال بأنها لتصفيف شعر رقبة الخيول، وآخرون قالوا بأنها للوسم، أو من قال بأنها تميمة تعلق حول الصدر. وجهات نظر أقدم رأت فيها أدوات تعذيب، و"فرش للجسد"، و موضوعات لزخرفة الفخار، و لتمشيط الشعر، و لصنع خيوط للملابس الجلدية. حالياً تسمى هذه الأدوات الصنعية بأمشاط الغزل حيث يُقترح بأنها كانت أدواتاً لضرب النسيج على النول.
تأتي هذه الفكرة من المقارنات مع أمشاط النساجين المعروفة من مصر، و الهند، و فارس، و سوريا، و أمريكا. في الحقيقة، ليست هناك بينة آثارية جيدة تدعم فرضية النسيج، كما و أن التناظرات الشكلية ليست بحال من الأحوال متقاربة. بلا شك توجد تناظرات لها أقرب مع الأمشاط ذات إحدى الوظائف المقترحة في القرن التاسع عشر. (الشكل4 مشط شعر حديث من كينيا) يبين مشط شعر منتشر في شرق أفريقيا (والآن في مختلف أنحاء العالم). لهذا المشط تشابهات شكلية مدهشة مع بعض موضوعات عصر الحديد، بما فيها ذات النهاية المستطيلة، و الزخرف المنقط - و- الدائري في الوجه. واضح أنه لا يجوز على أساس تلك التشابهات الافتراض بوظيفة مشابهة لأمشاط عصر الحديد. الأعداد الكبيرة من التناظرات الشكلية المختلفة لا بدَّ من التمييز بينها باختبار دقيق للمحتوى. على سبيل المثال، يُظهر فحص تناظرات الغزل المستخدمة أن مشط الغزل لم يشكل بتاتاً جزءاً من الأدوات المرتبطة بالنول الذي هو النوع الوحيد الذى نمتلك بينة دالة عليه في بريطانيا ما قبل التاريخية. وتبدو المناظرة أيضاً غير ملائمة لانعدام وجود بينة جيدة لارتباط قريب في مواقع عصر الحديد بين الأمشاط وأدوات الغزل الأخرى. طرق أخرى للبحث عن تناظر يتوافق مع معطيات عصر الحديد شملت دراسات مقارنة للتآكل في أسنان الأمشاط، و أنماط تكسرها، و أنماط الترابط مع أشكال أدوات صنعية أخرى.
التناظرات الترابطية المعتمدة على العمليات الطبيعية
في بعض الحالات تمت مناظرات للعمليات التقنية في الماضي والحاضر مع إدراك الأسباب التي يقود فيها إجراء بعينه إلى نتيجة نهائية محددة. هنا فإن التناظر يجد دعماً بالإشارة إلى أحداث طبيعية متنوعة كثيرة الوقوع. لدى التمعن في الكيفية التي تصنع بها جرة، على سبيل المثال، فإن خواص الصلصال يمكن الافتراض بثباتها. تأثير تدوير الفخار في العجلة يترك آثاراً واضحة يمكن دراسة خواصها بتجريب الخطأ والصواب. هنا تكون الاثنوأركيولوجيا ملحقة بعلم الآثار التطبيقي ولها وظيفة أساسية في طرح الأفكار للباحث الذي يقوم بالتجريب. على سبيل المثال، فإن ملاحظة الفخاريين التقليديين الحديثين تظهر أن التأثير الذي يسميه علماء الآثار "التلميع بالعصا" يمكن إنتاجه عن طريق حجر مستدير؛ ويتم تنفيذ الحفر "بعد الحرق" دائماً على الجرار المصقولة غير المحروقة. التلطيخ لإنتاج مصنوعات سوداء وتخفيض درجة الحرق لإنتاج مصنوعات رمادية يمكن أن تكونا عمليتين مختلفتين للغاية.
اختبار مراحل عملية تصنيع الفخار تسمح بفهم الكيفية التي يمكن بها التعرف على إجراءات تقنية بعينها عن طريق الآثار المميزة المتبقية على الجرة. ناقش كل من بارلت Barrelet 1980 وبالفت Balfet 1980 الطرق التي يمكن للمرء أن يميز بها الآثار الدالة على حرق الفخار بالطبخ وباستخدام الفرن. ويقارن جارج واودوزى Jarrige and Audouze 1980 صناعة الفخار الحديثة في بلوخستان مع بينة الكلس في حرق الفخار بالمنطقة ذاتها وتوصلا للاستنتاج بأن إجراءً تقنياً مشابهاً قد استخدم. مثل كل تلك التناظرات مغرية نسبة لوجود فهم معتبر لخصائص الصلصال الطبيعية، والتجانس في عمليات التمدد، و الانكماش، و التسخين، و التجفيف، و الحك، و يمكن معايرة تأثيراتها.
يصدق الأمر نفسه بالنسبة لتصنيع المعادن. مثال جيد لاستخدام التناظر فيما يتعلق بالعملية التقنية لإنتاج الحديد وفرها شميدت Schmidt 1980. أظهرت دراسة المواد من أفران الحديد التي يرجع تاريخها لعصر الحديد المبكر في البحيرة الغربية (West Lake) بتنزانيا أن درجات حرارة عالية تم الوصول إليها أثناء عملية الصهر. طرحت فرضية تقول بأن درجات الحرارة العالية تم إنجازها بوضع قصبات داخل الأفران بحيث أعيد تسخين الهواء الذي يمر عبر الأنابيب الساخنة.
المدهش، من التعليق الذي قدمناه في ورقة سابقة (الموضوع الثاني) حول العلاقة بين علم الآثار التطبيقي و الاثنوأركيولوجيا، أن الاختبارات التطبيقية للفرضية السابقة التي أجريت في أمريكا الشمالية عن طريق شميدت تبدو غير موثوقة ومن ثم بدا وكأن هناك ضرورة لتحليل محتوى أكثر مصداقية. أجريت دراسة اثنوأركيولوجية للحدادين المعاصرين في المنطقة نفسها وكذلك للمعطيات الآثارية. وضع أولئك الحدادون القصبات داخل الأفران. سجلت إجراءات الصهر وبعد مرور تسعة أشهر تم حفر بقايا الفرن. أبانت المقارنات الشكلية بأن هناك تشابهات بين بقايا الماضي والعمليات الحديثة.
يتوقف الكثير على هذا التناظر المحدد طالما أن العملية التي تم اختبارها كانت متقدمة و نتج عن العمل في نهاية المطاف أن منتجي الحديد قبل 2000 سنة مضت امتلكوا القدرة على إنتاج الفولاذ في الأفران التي تجاوزت درجات حرارتها 1800 درجة سنتي جراد. كانت درجات الحرارة أعلى بكثير مما يظن بأنه تم تحقيقه في أوربا. التناظر، على كل، تم تطبيقه بحذر ويعتمد إلى حد معقول على معرفة كيف أن أفران ذات شكل معين، مع قصبات موضوعة في مكان محدد، ترتبط بإعادة التسخين وبالتالي بدرجات حرارة أعلى.
كما أوضحنا، فإن الاثنوأركيولوجيا تعمل هنا بطريقة مشابهة لعلم الآثار التطبيقي. جوانب أخرى لتصنيع الحديد التي قد لا يكون ممكناً عملياً اختبارها تجريبياً تتمثل في التأثيرات الجانبية (الناجمة) مثل كمية الأخشاب التي تم جمعها لاستخدامها وقوداً. استخدام 200 كيلو جرام من الفحم الخشبي في عملية صهر واحدة في تنزانيا كانت تعني قطع أكثر من 2000 كيلو جرام من الأخشاب. وفرت هالاند Haaland 1980 بينة لإزالة الغابات التي قد تحدث بفعل صهر الحديد. هنا مجدداً، يعتمد استخدام التناظر على العلاقات الشاملة بين الأخشاب، والفحم الخشبي، و إنتاج الحرارة. رغم أنه يظل هناك الكثير من القياس الذى لا بدَّ من إجرائه، فإن عالم الآثار يمكنه أن يجد ثقة نسبية في مثل تلك النماذج.
يمكن أيضاً توفير معلومات عن الأدوات المستخدمة في قطع الأخشاب، بخاصة، يمكن أن تقود عملية إعادة سن الأدوات إلى أشكال للفؤوس متنوعة. كان كارنيرو Carneiro قد أشار إلى أن مخبريه أخطروه بأن الفؤوس في الحاضر القريب جرى سنها يومياً. إعادة سن السواطير في غينيا الجديدة كما لاحظ ذلك ستينسبيرج Steensberg أنتجت مظهراً متميزاً للطرف القاطع. مثل تلك المعلومات سمحت للأخير بتفسير مظاهر في الفؤوس النيوليتية من الدنمرك وباقتراح أي من جانبي الفأس كان على الجانب الآخر من الجذع. يبدو محتملاً، على أية حال، أن سلسلة من العمليات المختلفة يمكن أن تكون مسئولة عن تلك الخواص للفؤوس الحجرية، ويمكن التفكير في تناظرات بديلة.
مجال آخر قام فيه علم الآثار التطبيقي بدور رئيس لكن يمكن للمعطيات الاثنوغرافية أن تقدم بعض التصورات عنه هو بناء المساكن. كما ألمحنا في موضوع سابق (الموضوع الأول)، قد يرغب عالم الآثار في تقييم نوع المبنى الذي كان واقفاً يوماً ما في نمط حفر – أعمدة معينة. قد يكون هناك اهتمام بالتقنيات التي استخدمت، و في ارتفاع المنزل و عدد غرفه، و في نوع السقف الذي كان بمقدور الجدران حمله. في (الشكل 5 المراحل الأولى لبناء الكوخ في منطقة موكوتان؛ الشكل 6 بناء الكوخ في بحيرة بارنجو؛ الشكل 7 منظر السقف من الخارج والداخل) تظهر بعض مراحل بناء الكوخ في كينيا. بعض خصائص تلك المراحل التي تهم عالم الآثار، بخاصة أولئك الذين يعملون في المنطقة نفسها، هي أنه لا تترك حفرة باقية في السقف لتسرب الدخان من الموقد، وأنه قد يكون هناك "طابق ثان" ينام فيه القاطنون أو يحفظون فيه المواد، وأن السقوف منخفضة للغاية بحيث أن الناس باستثناء الأطفال يضطرون للزحف أو الانحناء. هناك أيضاً تنوع هائل في نظام السقف، بما في ذلك الأسقف المسطحة. أبانت أعمال التنقيب التي نفذت في مواقع الأكواخ المنهارة من هذا النوع في محافظة بارنجو بكينيا أنه لم تتبق أية آثار باستثناء الموقد. هذه البينة تقف شاهداً على أن فقدان بينة التشييد في المواقع الآثارية لا تستبعد إمكانية مبان كبيرة تتطلب قدراً معتبراً من المهارة التقنية.
تقنيات أخرى يمكن دراستها أو تمت دراستها اثنوغرافياً تشمل بناء الصروح مثل التماثيل في جزيرة الفصح Heyerdahl and Ferdon 1961 والقلاع التلية للماوري في نيوزيلندا. يمكن أن تكون طرق صناعة أدوات الحرب مهمة، سواء كانت تلك غزوات يومية والمصادمات بين المستقرين والرعاة في جنوب السودان أو شرق أفريقيا، أو الحملات المخططة للدول العسكرية. هنا فإننا ننتقل من القوانين الطبيعية الشمولية، إلى الاختيار الإنساني والاستراتيجية التي لا توجد "بصمات" لها. لكن، كلما سأل عالم الآثار لا عن ماهية العملية التقنية المستخدمة بل عن سببها، حينها عليه أن يطرق باب الساحة الاجتماعية والثقافية حيث تتنوع الصلات بين العملية والشكل وتتعقد. علينا أن نلتفت الآن إلى العلاقات بين التقنيات ومحتواها الاجتماعي والاقتصادي.
انتشرت العديد من الافتراضات بشأن وجود علاقات بين طرق الإنتاج والمتغيرات الاجتماعية - الاقتصادية. فعلى سبيل المثال لاحظ فيلبس Phillips 1971: 341 أن 75% من الأمثلة الاثنوغرافية تشير إلى أن النساء هن اللواتي يصنعن الفخار وأن 98% من الرجال يقومون بمهمة الصيد. بالتالي، فإنه وفي إطار مجتمع ما قبل تاريخي بعينه قام فيلبس بدراسته، يحتمل أن تكون النساء صنعن الفخار وقام الرجال بتجهيز الأدوات الحجرية من الشظايا. الصعوبات مع مثل هذا النوع من المسح الكل- ثقافوي تعرضنا لها في مقالات سابقة. في هذه الحالة لم يذكر لنا فيلبس لماذا يصنع النساء الفخار بدلاً عن أن يقوم الرجال بذلك ولا نعرف شيئاً عن الصلات السببية التي تربط النساء بإنتاج الفخار. بكلمات أخرى، ليست لدينا فكرة عن علاقة المعطيات الاثنوغرافية بالحالة الآثارية. فوق ذلك، بما أن الارتباطات السببية ذات العلاقة لم تستكشف، فإن العلاقة المتداخلة تصبح ذات قيمة تفسيرية محدودة.
ملاحظات كل- ثقافوية أخرى تشمل تأثيرات وجود التجارة في مجتمع ما. التجارة المتزايد حجمها قد تقود إلى إنتاج متزايد وقد تؤثر على نوعية الفخار المنتج. على سبيل المثال، يوضح نيكلين Nicklin 1971 أن الحاجة لنقل الفخار بسلامة بكميات كبيرة قد تقود إلى توحيد تدرج شكل الأواني الفخارية المنتجة بحيث يمكن تكديسها في عربات أو مراكب. قد تكون هناك صلة أيضاً بين تنظيم الإنتاج ونمط الإقامة. يفترض رولاندس Rowlands 1971 أن الموقع المشتت يرتبط احتمالاً بإنتاج مشتت للمعدن، في حين تكون الإقامة المتكدسة مرتبطة بشكل من الإنتاج المتمركز.
علاقات كل- ثقافوية يتم طرحها بين أنماط تنظيم الإعاشة والإنتاج. يلاحظ آرنولد Arnold 1978 أن الجماعات التي تعيش في مناطق ذات موارد شحيحة أو مستهلكة قد ينشغلون في إنتاج الفخار. الأواني الفخارية يمكن مبادلتها ببضائع اعاشية من المناطق المجاورة ذات الأرض الأكثر خصوبة. الموسمية الواضحة في الدورة الاقتصادية (على سبيل المثال حيث يوجد موسم ممطر محدد) قد ينتج عنها طلب متزايد للأدوات، وبالتالي تفجر الإنتاج الحرفي، في أوقات محددة من السنة. يفترض رولاندس (1971) أن الموسمية قد ينتج عنها رجوع كميات كبيرة من المعادن التالفة إلى الحداد في فترة الإنتاج المكثف، مما ينتج عنه إنتاج المخزون – "مؤسسات المخزون" للأدوات المهشمة أو المستهلكة.
سلسلة تعميمات تم طرحها بخصوص حجم إنتاج الفخار والتخصص فيه. في حالات، يشترك الفخاريون في نشاطات اعاشية عادية و قد يُعدون غير متفرغين. آخرون يقضون جزءاً أكبر من وقتهم في العمل بصناعة الفخار و يعتمدون عليها في أرزاقهم و يجوز تسميتهم بالمتخصصين. في دراستها لإنتاج الفخار المعاصر في المغرب وجدت بالفت Balfet 1966 أن الفخار ينتج بثلاث مستويات: (أ) إنتاج غير متخصص من قبل النساء في منازلهن الخاصة لاستخدامهن الشخصي؛ (ب) في حالات يكسب النساء والرجال بعض المال من تصنيع الفخار وأولئك يمكن تسميتهم بـ شبه المتخصصين؛ (ج) هناك أيضاً مؤسسات الإنتاج الكبير المتخصصة و التي يعمل فيها الرجال فقط.
تلك الاختلافات في الحجم في المغرب يبدو أن لها نتائج كثيرة أخرى. على سبيل المثال، ليس بالضرورة بالنسبة للإنتاج المنزلي أن تكون النساء قريبات من ترسبات الصلصال. لكن مراكز الإنتاج الكبير المتخصص تكون بالضرورة بالقرب من الترسبات الأساسية. تميل النساء غير المتخصصات إلى ممارسة صناعة الفخار يدوياً، لكنه في المستوى المتخصص يتم التصنيع باستخدام عجلة الفخاري. في أماكن أخرى من العالم قد تكون هذه العلاقة بين المتخصصين والعجلة أقل (نيكلين 1971). يستخدم غير المتخصصين في المغرب تقنيات حرق مفتوحة في حين يستخدم المتخصصون الأفران. الفخار المنتج من قبل غير المتخصصين نادراً ما يظهر تغيراً واضحاً. مثل هذا الجمود على مدى فترات طويلة لا يميز منتجات المتخصصين.
بما أنه لم تكن أي من تلك الأسباب بالنسبة للعلاقات المعينة مدروسة و محددة بوضوح، يصعب علينا بالتالي معرفة المدى الذي نستطيع به تعميم ذلك بالنسبة للمجتمعات الأخرى في الحاضر و في الماضي. يمكن التعرف على المشكلات بالتمعن في علاقة لاحقة افترضتها بالفت. لاحظت بالفت أن غير المتخصصين ينتجون أساليب عالية التنوع من الفخار و أنه توجد حرية في الزخرف. أولئك الأكثر تخصصاً تتميز مصنوعاتهم بالأشكال و الزخارف النمطية الموحدة و المتكررة. هذه الملاحظة استخدمها علماء آثار مثل برودنس ريس Prudence Rice 1971: 17 في تقديم نماذج تطورية كل- ثقافوية. وفر نيكلين (1971) صلة أخرى. قد تشجع التجارة و التصدير التخصص و التوحد النمطي في الإنتاج.
في الوقت الذي تقود فيه المركزة بلا شك إلى الاطراد النمطي في إطار سلسلة أشكال متميزة، فإن الافتراض بأن الأمر دائماً ما يكون كذلك هو مسألة مشتقة من محتوانا الثقافي الخاص الذي يمثل فيه تكثيف الجهد و الربح للحد الأقصى الرغبة الأساسية للإنتاج. المركزة بدون زيادة الفاعلية لا تعني بالنسبة لنا شيئاً و بالتالي إنتاج مصنوعات موحدة نمطياً بكميات أكبر. لكن اثنوغرافياً، يمكن الكشف عن علاقات مختلفة. الرمح والمقعدين الموضحة في (الشكل 8 أدوات صنعية معاصرة من بارنجو، كينيا، في الأعلى رأس رمح؛ في الأسفل مقعدان خشبيان) تم إنتاجها من قبل أفراد بعينهم في مناطق محلية في بارنجو بكينيا. في حين أن الرماح والمقاعد المنتجة من قبل كل جماعة من الحرفيين تكاد تكون هي نفسها، فإن هناك تنوعات تفصيلية محلية في أشكالها و أحجامها. ينشأ هذا التنوع، رغم تخصص الإنتاج، لأن الحرفيين يحسون بما هو مفضل و مطلوب. بصورة أكثر عمومية، قد يوجد الإنتاج المتخصص عادة في محتوى تسمح فيه متطلبات المستهلك المتنوعة، و غياب التشديد على إنتاج فعال، بتنوع الأساليب المنتجة. و بالعكس، فإن السلال و صحون الأكل الخشبية المبينة في (الشكل 9) مصنوعة محلياً من قبل أفراد في كل وحدة منزلية، لكن الأساليب موحدة إلى درجة كبيرة و متكررة على امتداد مناطق واسعة. في هذه الحالة، تكون لتلك المواد الصنعية المعينة أهمية اجتماعية خاصة وينشأ إحساس قوي بالتوحد فيما يتعلق بالعلاقة معها.
نتائج تعزز تلك المتوفرة من بارنجو تم الحصول عليها في لوزي بزامبيا Hodder 1982. واضح أنه ليس بمقدورنا قراءة حجم إنتاج أو تخصص من درجة التوحد النمطي في المنتجات. لفهم الصلة بين الإنتاج و الأسلوب علينا أن نعرف أكثر عن المحتوى الاجتماعي و الاقتصادي. نحتاج إلى بناء نماذج ترابطية يمكنها أن تفسر لماذا يحتاج الناس، في ظروف بعينها، إلى توحيد نمط أو عدم توحيد نمط الجرار، ولماذا يحتاجون إلى الإنتاج بفاعلية و بأحجام أكبر و ما إلى ذلك.
هذه النقطة هي أكثر أهمية عندما ينظر المرء في الطريقة التي تم فيها ربط التخصص في الإنتاج الحرفي في نماذج تطورية عامة. سبق ذكر المثال الذى ساقه برودنس ريس، ويمكن الإشارة كذلك إلى رنفريو