أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

Copyright © 2004 ArkamaniEducational Project All rights reserved.

© كافة حقوق الطبع محفوظة 2004  مشروع أركامانى التعليمي

 

 

 

 

 

 

 

الموضوع 004

تكون السجل الآثاري

إيان هودر

ترجمة أ.د. أسامة عبدالرحمن النور

ديسمبر 2004

ما بعد الترسيب

الترسيب

 

 

 

 

 

بعد أن تناولنا في ورقة سابقة (الموضوع الثاني) شيئاً من تاريخ علم الآثار الأنثروبولوجي ومن تطبيقاته بوصفه اثنوأركيولوجيا، فإنه يمكن اختبار جزء من سلسلة النتائج الآخذة في الظهور. سيكون من الضروري تقييم التناظرات التي تم اقتراحها واقتراح أشكال الاثنوأركيولوجيا التي أثبتت ولازالت نجاحها. في الفصل الأول تم تحديد جوانب مرغوبة متنوعة من التناظرات، وسننشدها لمناقشة تكون السجل الآثاري، وهى العملية التي يتم عن طريقها ترسيب الأدوات الصنعية في باطن الأرض، وعمليات ما بعد الترسيب التي عن طريقها يفسد ترتيبها أو يبقى على ما هو عليه.

 

يصعب عادة، على كل، رسم خط بين عمليات الترسيب وما بعد الترسيب. هل يعد الدوس بأقدام الإنسان أو حوافر الحيوانات على الأدوات في الأرض ترسيباً أم ما بعد ترسيب، ووفقاً لمصطلحات شيفر Schiffer, 1976، هل هو تحول طبيعي أم ثقافي؟ ليس صعباً توفير تناظرات ارتباطية مناسبة عندما يكون ممكناً اقتراح ارتباط طبيعي بين المركبات المختلفة للنموذج وبالتالي قد يكون ملائماً أن نبدأ بعمليات ما بعد الترسيب التي يقل فيها التدخل الإنساني أو الثقافي.

 

ما بعد الترسيب

على سبيل المثال، بمجرد أن يكتمل بناء منزل، فإن تدهوره وانهياره قد يكون عادة بفعل عمليات طبيعية كلياً. المنازل كلها في حالة انهيار بطريقة واحدة. بدلاً عن أن تسقط من أعلى أو إلى الداخل، فإن مجمل البناء يدور ويغور في الأرض. وفي حين تلتوي أعمدة الجدران فإنها تتسبب في تغيرات يمكن تحديدها في الحفر، وفي الخنادق والقوالب التي نصبت عليها الأعمدة. تشير الحالة الاثنوغرافية بالنسبة لعالم الآثار إلى أنه من الممكن البحث عن مثل هذا التنميط في أشكال حفر الأعمدة والزوايا عند التنقيب في مسكن ما قبل تاريخي دائري الشكل. مثل تلك المعلومة قد تشير إلى أن المسكن قد هجر لينهار بفعل عمليات طبيعية على خلاف إزالته باقتلاعه عن عمد من الأرض كما في مثال زامبيا. ففي زامبيا يتم اقتلاع الأكواخ وتفكيكها عند وفاة واحد من سكان الكوخ الأساسيين من الذكور. ستكون آثار ما بعد الترسيب تلك جد مختلفة عن البارنجو في كينيا. على أية حال، لن نستطيع افتراض أن الانهيار عن طريق الدوران يحدث دوماً بالنسبة للأكواخ الدائرية. مثل تلك العملية في الحالة الكينية تحفزها سطحية أطر الأعمدة وطريقة ربط السقف بأعمدة الجدار. غض النظر، يكون من الممكن اختبار الطرق المختلفة لانهيار المساكن الدائرية المختلفة من حيث البناء، مع التناظرات الممكن تأسيسها على المبادئ الطبيعية الموجودة بكثرة.

 

عند ما تواجه عالم الآثار مبان مشيدة بطبقات من الطين غير المحروق أو طوب أخضر، فإنه يحتاج إلى مهارات خاصة للتعرف عليها وتفسيرها. المساعدة التي يمكن أن تقدمها الاثنوغرافيا تعتمد على وجود ظروف ايكولوجية و بيدولوجية متشابهة. وفر ماكنتوش McIntosh,1974 قدر كبير من البينة من دراسته لعملية تدهور الجدران الطينية في قرية معاصرة بغرب أفريقيا (هاني : في غرب غانا) والتي أثبتت قيمتها في تفسير ظواهر في موقع آثاري غير بعيد عن القرية. بعض ملاحظات ماكنتوش قد تكون ذات فائدة أوسع. المباني المشيدة من الطين قُدرت استمراريتها بعشرين سنة في الحد الأقصى بدون إجراء ترميمات أساسية و بحوالي سبعين سنة في حالة رعايتها بالترميم المنتظم. الجزء من المبنى الطيني الأكثر عرضة للتلف هو مكان ملامسة المبنى للأرض. المياه الساقطة من السقف، والتي ترش المبنى خلال انسيابها، والمياه التي تنقل الأملاح المحلولة عبر الجدار تساعد كلها في فهم الظاهرة. عادة ما تحتوي الجدران على شقوف فخار وغيرها من النفايات التي تندمج في الطين أثناء تجهيزه على الأرض. ومع بداية انهيار الجدار، تنجرف المواد الأخف وزناً والشظايا الصغيرة بعيداً عن الجدار في حين تبقى الأثقل وزناً والشقوف.

 

من بين الظواهر الأخرى التي قد تقابل عالم الآثار والتي تكون قد تعرضت لتآكل طبيعي بعد الاستخدام، فإن الحفرة تبدو هي الأكثر شيوعاً. فالحفر، غض النظر عن أشكالها، وحجمها أو وظيفتها، قد تترك مفتوحة قبل أن تملأ كلياً. في غرب زامبيا فإن حفر النفايات يتم عادة هجرها في هذه المرحلة. التجاويف غير العميقة وهى كل ما يتبقى من الحفر تعمل مصيدة للنفايات. يبدو أن الرياح تأخذ في الدوران في المنخفضات الصغيرة تاركة سلسلة من الشظايا العضوية وغيرها من الفضلات. يتكون بالتالي في قمة الحفرة تكدس عالي الكثافة من الشظايا الصغيرة، وتمثل تلك الشظايا قطاعاً عاماً للمواد الصغيرة المتناثرة حول موقع الإقامة.

 

رغم أنه وفي مثل الحالات المذكورة يتوجب الاهتمام بالتشابهات في المواد، والمناخ، والبيئة، فإن استخدام التناظر يبدو معقولاً لأن المبادئ الارتباطية معنية على الأقل بعمليات طبيعية واسعة الانتشار مثل مفعول الأمطار والرياح على شظايا ذات أحجام وكثافة متنوعة. التناظرات الارتباطية، التي يكون فيها التعبير عن أسباب التناظر ممكناً، تم تطبيقها على قوى غير بشرية متنوعة فاعلة في ترسبات العظام.

 

العمل الاثنوغرافي المبكر في هذا المجال "التافونومى" قام به برين Brain لفضلات العظام عند الخوان (الهوتنتوت)، وكذلك قام به لي Lee في معسكرات السان (البوشمن) المهجورة. مثال نموذجي نشأ عن اهتمام اسحق Isaac,1967 بتفسير المعطيات العظمية من اولورجيسالي، وهى سلسلة مواقع أشيلية في شرق أفريقيا. في المواقع الآثارية كانت كميات العظام المرتبطة بتكدس الأدوات جد متنوعة. في العديد من المواقع تم الاحتفاظ بالقليل من الشظايا العظمية الصغيرة وبعض الأضراس. أيجوز أن يكون ذلك بفعل عامل طبيعي؟ للإجابة على هذا السؤال وجدت، في منطقة بالقرب من اولورجيسالي، 55 عظماً كبيراً وشظايا عظمية (5-20 سم في الطول) وأكثر من 60 شظية عظمية مدفونة كنفايات. يمكن أن تكون الحيوانات المقتاتة بالقمامة وعوامل طبيعية أخرى قد تسببت في تشتيت النفايات وتمت إزالة معظم العظام الكبيرة كلياً. بالتالي، فإن الأعداد القليلة للعظام الصغيرة في الموقع الأثري لا تشير بالضرورة لحقيقة أن كميات كبيرة من اللحوم لم يتم تجهيزها في الموقع.

 

جوانب أخرى للمجاميع العظمية تأثرت بالحيوانات المقتاتة بالقمامة جرت دراستها في عرين الحيوانات Crader,1974; Hill,1980; Binford,1981. تطور مثل هذا العمل بفعل مجادلة علم آثارية محددة بين دارت، وشبورن، اردري، وبرين فيما يتعلق بالمجاميع العظمية في مواقع البشريات المبكرة (الاسترالبيتكوس، الإنسان القردي الجنوبي). في تلك المواقع يبدو أن أجزاء خاصة من الهياكل وجدت بصورة إما مبالغ فيها أو شحيحة. هل يعني ذلك أن العظام استخدمت كأدوات، أو أن المجاميع تأثرت بفعل الحيوانات المقتاتة بالقمامة؟ يصف اسحق Isaac,1967 دراسات مبدئية للعظام في الكهوف التي تتردد عليها الضباع. هذا العمل وأعمال أخرى تشير إلى أن العظام التي تمضغها الكلاب، وابن آوى، والضباع قد تؤدى إلى وجود مجاميع متميزة للغاية. تنتج التحيزات جزئياً من التركيب المختلف والكثافة المختلفة ونسب نضوج أنواع العظام. هنا مرة أخرى توجد عمليات طبيعية تسمح بطرح تعميمات بالنسبة للمجاميع الأثرية. فالعظام التي تجمعها الحيوانات المقتاتة بالقمامة تظهر خصائص متميزة، مثل نسبة محددة بين عظام الضلوع والفخذ. بالمقارنة مع المجاميع الاثنوأركيولوجية، يبدو الآن أن الكثير من مواقع الإقامة الباليوليتية في الكهوف البريطانية هي في الواقع مجاميع حيوانات مقتاتة بالقمامة.

 

في عمل كل من اسحق وكرادر المشار إليهما أعلاه، بقيت العظام الصغيرة. يمكن أن يكون ذلك في حالات بفعل عملية طبيعية إضافية تمت دراستها بتفصيل من جانب جيفورد وبيهرنسميير Gifford and Behrensmeyer,1978. معسكر أقيم أثناء بعثة للبحث عن الطعام في منطقة داسانتش بتركانا في كينيا وشملت ثمانية رجال لمدة أربعة أيام. لاحظ جيفورد أنه وخلال فترة المعسكر، اصطاد الرجال وأكلوا 40 سلحفاة، و4 تماسيح، و14 سلوراً (نوع من الأسماك)، وفرخين (نوع من السمك النهري)، واقتاتوا 15 كيلوجرام من اللحم من حمارين للوحش قتلتهما الأسود. عندما غادروا المعسكر كان هنالك انتشار للعظام على مساحة 17x17 متر مع تمركز الكثافة 3x3 متر حول الموقد. تم تخريط الموقع ومن ثم أعيد تخريطه في العام التالي. العظام التي بقيت في الموقع كانت الأجزاء الأصغر من الهيكل وتلك القابلة للكسر إلى أجزاء صغيرة. بقيت تلك في الغالب لأنها مثلت الشظايا الصغيرة التي يمكن أن تنغرس إلى الأسفل من السطح وبالتالي أصبحت محمية إلى حد ما من سيل مياه الأمطار والحيوانات المقتاتة بالقمامة.

 

في كل الأمثلة التي ساقها المؤلفان بهدف التشديد على أن معطياتهما الاثنوأركيولوجية يجب استخدامها تناظراً بالنسبة للماضي فقط في حالة ظروف بيئية مشابهة. الجوانب الخاصة بالبيئة (الأمطار، والرياح، والحيوانات المقتاتة بالقمامة وغيرها) يمكن التعرف عليها لأن هناك مترابطات معروفة بين الجوانب المختلفة للتناظر. هذا النموذج مبني على أساس عمليات طبيعية معروفة. لا تجرى هنا محاولة تضمين العناصر البشرية والثقافية. تلك هي الأكثر أهمية في اختبار عمليات الترسيب، وهنا تحديداً ستعترضنا إشكاليات التطبيق.

 

الترسيب

كثيراً ما تم طرح نقطة انطلاق بدئية بأنه في الكثير من المجتمعات يتم ترك القليل من المواد الصنعية أثناء هجرة موقع الإقامة والرحيل عنه. يصح هذا بصورة خاصة على الجماعات الرعوية البدوية (مثل تركانا الذين درسهم روبينز Robbins, 1973) التي تتحرك كثيراً ولديها القليل من "المتاع". يمكن من خلال تحليل الترسبات تحديد ما إذا كانت تلك الجماعات تمارس بعض النشاطات الزراعية مع أنها رعوية في الأساس. في مواقع خيام المعسكر المهجور قد لا يوجد سوى القليل من القرع اليابس المكسر والعظام المهشمة، وكل ما يتم تركه لا يمثل بحال النشاطات التي قامت هناك. مع ذلك، لا ترتبط الكمية التي يخلفها الناس في موقع مباشرة بمعدلات الحراك ونوعية الاقتصاد. بالطبع، يمكن المجادلة بأن سبب ذلك حقيقة أن الرعاة يفضلون الترحال وهم يحملون "ما خف وزنه" ومن ثم فقد يتركون وراءهم الكثير في مكان معسكراتهم، وليس القليل. ما يترك أو لا يترك في المعسكر يرتبط بسلسلة قيم ثقافية لم تك ضمن موضوع اهتمام الأعمال الاثنوأركيولوجية المنشورة.

 

واضح على الأقل أن ما يترك في المعسكر بعد الرحيل منه يمثل لوحاً ممسوحاً بالنسبة للنشاطات التي مورست في فترة الإقامة. عادة ما تمر الأدوات الصنعية والمباني في موقع بتواترات طويلة للاستخدام وإعادة الاستخدام. ففي منطقة لوزي بغربي زامبيا تستخدم الجرار المهشمة والشقوف لسلسلة طويلة من الأغراض بدءاً من إطعام الحيوانات المنزلية انتهاءً بجمع الماء. طور إعادة الاستخدام هذا يعني أن الموقع النهائي للشقوف قد لا يرتبط لا بالموقع الأصلي ولا بالوظيفة أو وظائف الأواني الفخارية. يقدم اوشسنشلاجر  Ochsenschlager,1974مثالاً أكثر تفصيلاً لإعادة استخدام الفخار في جنوب العراق المعاصر. هنا فإن الشكل "الكوزي" للجرة عندما يكون في حالته الفعلية يستخدم للماء أو الملح، لكنه عندما يتعرض للتشقق الشديد فإنه يستخدم للحبوب. عندما يتهشم، تستخدم الشقوف الكبيرة لإطعام الدجاج والديك الرومي وسقيه في باحة المنزل، أو لتخزين كميات قليلة من أنواع مختلفة من حاجيات المنزل.

 

إعادة استخدام المنازل والمباني الأخرى أمر يحدث أيضاً. ويوضح ديفيد في بحثه المنشور في العدد الثالث من مجلة الآثار العالمية "المركب الفولاني وعالم الآثار" إلى أن المنازل لدى الفولاني في الكميرون، يعاد استخدامها بصورة مستمرة عششاً سكنية، وعششاً للنوم، وعششاً للضيافة، وعششاً للرجال، وعششاً للعزاب، وعششاً للدجاج، وعششاً للتخزين David,1971. كما ولا حظ كل من كرانستون في بحثه "التيفالمين: سكان نيوليتيون في غينيا الجديدة" Cranstone,1971، وهيدر في بحثه "الفرضيات الآثارية والوقائع الاثنوأركيولوجية: رواية تحذيرية من غينيا الجديدة" Heider,1967 إعادة الترتيب المستمرة دوماً للأفراد في العشش. مثل إعادة الاستخدام هذه ستؤثر بوضوح على محاولات إعادة تركيب التنظيم الاجتماعي أو على مدى الوظائف في موقع آثاري. ويشير هيدر إلى أن شعب الدونجوم داني في غينيا الجديدة بمجرد أن يهجروا موقعاً فإنهم يحيلونه إلى حديقة ويحفرونه، مدمرين بالتالي حفر الأعمدة وكافة آثار ما كان يوماً ما مباني.

 

آخذين في الحسبان كل تلك الإشكاليات فإننا لا نندهش عندما يزور عالم الآثار موقعاً هجر حديثاً ويواجه صعوبات في إعادة تركيب النشاطات المرتبطة والتنظيم الاجتماعي. المخبرون الذين عاشوا يوماً ما في الموقع أو عرفوه لا يمتلكون القدرة على تعزيز تكهنات عالم الآثار. مع كل، من الضروري الابتعاد عن تلك "المعوقات" وعن التعداد السلبي للصعوبات والتعقيدات. إجراءات هجرة الموقع وإعادة الاستخدام هى أمور معقدة ومتنوعة على كل حال، لكن من الضروري اختبار الأسباب الكامنة المؤدية إلى التنوع. فرضية محتملة يمكن أن تكون أنه كلما قل رأس المال أو قلت القوة العاملة المطلوبة لتشييد مبنى، كلما زاد التطابق بين المبنى ومستخدميه. الحجة الكامنة في مثل هذه الإفادة أن المباني التي يبذل القليل من العمل في تشييدها يمكن إعادة بنائها لتفي بمتطلبات متغيرة. هذه وجهة نظر تعتمد مبدأ ادخار الطاقة، والفاعلية التي قد تتطابق مع المحتوى الثقافي لمجتمعاتنا الحالية. لكن يمكن للمرء أن يجادل بطرح رؤية معاكسة: أنه كلما قل رأس المال المخصص للتشييد كلما قل التطابق. الحجة هنا ستكون أن المباني التي تبذل القليل من الطاقة في تشييدها هي تلك المباني غير ذات الأهمية الخاصة ويمكن استخدامها لأداء وظائف مختلفة وأغراض متنوعة ومن قبل أناس مختلفين. واضح أنه من غير المثمر الجدل بهذه الطريقة المسبقة، وفرض منطق- كاذب. هنالك حاجة لتطوير تناظرات ارتباطية يمكنها اختبار سلوك هجرة الموقع وإعادة استخدامه في محتويات ثقافية محددة. فقط عندما نفهم بعض الصلات الثقافية المحتواة في حالة بعينها يمكن لنا الاندفاع في محاولة التعميم.

 

يتطلب ذلك اختبار المحتويات الثقافية في إطار دراسات أخرى لعمليات الترسيب. المجادلة التي نشبت بين يلين وبينفورد حول عما إذا كانت نشاطات الصيادين الجامعين داخل موقع تفضي أو لا تفضي إلى ترسيبات متمركزة يعتمد على سلسلة من العناصر الثقافية والمحتوياتية والتي لم يبدأ في اختبارها Binford,1978. حجج مشابهة تنطبق على سلسلة مناقشات طويلة تتعلق بأسباب حدوث عدم التوازن في مجاميع العظام بين عظام الأجزاء السفلى والعليا، أو تتعلق بتلميح يلين بأن التنوع في صيانة الأدوات يرتبط بمدى طول الإقامة في الموقع. في كل تلك الحالات فإن الأسباب الثقافية لتنميط الثقافة المادية وارتباطاتها تظل غير مختبرة.

 

يمكن المجادلة بشأن بعض الارتباطات بين عمليات الترسيب والمتغيرات الاجتماعية بأن هنالك بعض الصلات السببية الطبيعية أو الضرورية. يشير دافيد في بحثه "حول المدى العمري للجرة: نوع التواترات والاستدلال الآثاري" David,1972 إلى أن نوع الجرة المستخدم عادة ويتهشم دائماً سيكون تواتره أعلى في مجاميع الموقع أكثر من جرة التخزين التي تستخدم بدرجة أقل ويقل معدل تهشمها. ذلك "الاستخدام الحياتي" الذي يؤثر في مركب المجاميع هو حتمية رياضية. كذلك فإن للسلوك الإنساني مقيداته. أوضحت دراسات للنفايات في مجمع جامعة أريزونا إلى أن القطع الصغيرة (الأقل من 4 بوصات) تم رميها تقريباً خارج سلال النفايات، لكن الموضوعات الكبيرة وضعت في داخل السلال  (انظر كتاب شيفر: علم الآثار السلوكي Schiffer,1976:188). عموماً يمكن للمرء أن يجادل بأن الموضوعات الصغيرة، فقط لكون رؤيتها تكون أقل ولأنها أقل إزعاجا للمارة، فان احتمال تنظيمها في مناطق مخصصة لوضع النفايات أقل احتمالاً. كما وأن الموضوعات الصغيرة أقل سهولة في الإمساك بها وبالتالي يتم رميها بمعدلات أعلى. قد نقول بأن النموذج يعتمد على خصائص أساسية لرؤية العين والبديهة الإنسانية. فقد لاحظ كل من هوايت ومودجسكا  White and Modjeska, 1978 في غينيا الجديدة أن الفؤوس الكبيرة المفقودة في منطقة الغابات قد "ضاعت نهائياً" في حين أن احتمال العثور على تلك المفقودة في داخل الموقع يظل أمراً ممكناً وبالتالي فإن إمكانية إعادة استخدامها تكون أعلى.

 

لكن، بالطبع، الكثير يعتمد على القيمة الملصقة بالموضوع وطبيعة استخدامه. لم يختبر شيفر ولا هوايت ولا مودجسكا المحتوى الثقافي الكامل الذي تكون فيه المواد الصنعية ذات الأحجام المختلفة قد ألقيت إلى الأرض وتركت. هناك حاجة لاستقصاء الطريقة التي تم بها الاعتناء بالموضوعات الصنعية ذات القيمة العالية، أي كيفية حفظها، وصيانتها، وإعادة استخدامها، وإعادة تصنيعها إلى أن يتم التخلص منها في الأخير.

 

قدم بنفورد توضيحاً، في بحث نشره في عام 1976 عن التاريخ الديموغرافي للنوناميوت، لمفهوم الرعاية رغم أنه، كما سنرى، لم يتعد هذا الإسهام الطابع الوصفي والتعريفي ولم يتعرض للتفسير. وجد بينفورد أن العديد من أدوات النوناميوت من الاسكيمو تتم رعايتها بقدر كبير من الاهتمام. تنقل الأدوات مع الصيادين في ترحالهم. وتُرجع الأدوات الصنعية إلى المعسكر القاعدة أو إلى وحدة الإقامة للصيانة التي ينتج عنها بعض النفايات. إلا أن الأدوات نفسها تحمل في أثناء الترحال وهو ما يؤدي إلى التخلص منه أو ضياعها بعيداً عن المعسكر القاعدة. في مثل تلك الحالات لن يكون هناك ارتباط في مجاميع الموقع بين المنتجات الثانوية للنشاطات (على سبيل المثال، العظم وترسبات الطعام)  والأدوات المستخدمة في تلك النشاطات. في الحقيقة فإن بينفورد يتوصل إلى سلسلة من الإفادات بشأن المجتمعات التي تهتم برعاية الأدوات الصنعية وتلك التي لا تهتم بهذه المسألة. على سبيل المثال، في الحالات التي لا توجد فيها رعاية "حيث الأشياء الأخرى متساوية"، كلما كثرت الأدوات هناك في وسط المجاميع، كلما كثرت أنقاض بقايا تصنيع الأدوات. في حالة الرعاية، لا توجد علاقة بين الأعداد الكلية للأدوات وكمية أنقاض بقايا تصنيع الأدوات.

 

في تلك الإفادات عرف بينفورد بوضوح وبقدر من التفصيل ما يشتمل عليه بالتحديد مفهوم الرعاية، ووفر لعالم الآثار طريقة أخرى لتصنيف المجتمعات. لكن ولكيما يكون من الممكن استخدام هذه المعلومة بوصفها تناظراً ذا قيمة تفسيرية، فإننا نحتاج إلى معرفة شئ عن العملية التي تقود إلى الرعاية؛ لماذا تهتم أو لا تهتم بعض المجتمعات برعاية المواد الصنعية. طالما أنه من المحتمل أن تهتم المجتمعات برعاية بعض الأشياء لكن ليس بأخرى، فإن سؤالاً واقعياً قد يبرز عن السبب في الاهتمام برعاية بعض الأدوات الصنعية وليس بأدوات صنعية أخرى. المحاولات التي بذلت للإجابة على تلك الأسئلة ركزت على استثمار الطاقة وقوة العمل. قد يجوز الادعاء بأنه كلما تزايد حجم الطاقة المستثمرة في خلق أداة صنعية، فإنه يكون أقل احتمالاً التخلص منها قبل انتهاء عمرها الافتراضي.. في حين أنه قد يكون صحيحاً بالنسبة لمجتمعاتنا الحضرية الحالية أن يتم الاحتفاظ والاهتمام برعاية المصنوعات التي بذلت طاقة كبيرة في إنتاجها، فإنه يظل أمامنا واجب إثبات أن الأمر نفسه ينطبق على كل المجتمعات الأقدم أو البدائية المعاصرة. حتى لو أن النوناميوت الاسكيمو قد كثفوا من استخدام موادهم، فإن ذلك لا يقول لنا ما يكفي عن المحتوى الثقافي لفهم أن يكون الأمر لديهم بهذه الطريقة.

 

كما