أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

Copyright © 2004 ArkamaniEducational Project All rights reserved.

© كافة حقوق الطبع محفوظة 2004  مشروع أركامانى التعليمي

 

 

 

 

 

 

الموضوع 001

استخدام التناظر الوظيفي والقياس في علم الآثار

إيان هودر

ترجمة أ.د. أسامة عبدالرحمن النور

ديسمبر 2004

استخدام التناظر الوظيفي والقياس

إشكاليات التناظر الوظيفي

الاستخدام الأمثل للتناظر الوظيفي والقياس

المحتوى

 

 

 

 

الماضي هو الحاضر بمعنى أن إعادة التركيب التي نقوم بها لمعنى المعطيات من الماضي تعتمد على التناظرات الوظيفية والقياس مع العالم المحيط بنا. هدف محاضراتنا هو الوصول إلى صياغة منهج أكثر شمولية من قبل علماء الآثار للمادة الاثنوغرافية المتوفرة وللمفاهيم الأنثروبولوجية. على كل، لن نحاول بالطبع الرجوع إلى كل عمل كتب حول هذا الموضوع. حتى لو أن ذلك كان ممكناً، رغم أننا نشك في ذلك إذا قدرنا المدى الواسع لموضوع دراستنا، من ثم فإن اهتمامنا سينصب على توفير تقييم نقدي لاستخدام التناظر الوظيفي والقياس في علم الآثار عن طريق تقييم مدى نموذجي من الأمثلة.

 

يعتمد كل العمل الآثاري على التناظر والقياس ويمكن أن تكون عملية الاستنتاج القائمة على التناظر والقياس محكمة وصارمة. لكننا لا نستطيع، كما يُدعى أحياناً، أن "نختبر" بدقة التناظرات والفرضيات الناجمة عن استخدامها. لا يستطيع علماء الآثار لا إثبات ولا دحض فرضياتهم على أساس معطيات مستقلة. كل ما يستطيعون تحقيقه هو توضيح أن فرضية أو نظير واحد أفضل أو أسوأ من آخر، نظرياً ومن حيث علاقته بالمعطيات. في هذا الفصل الأول، سنناقش سلسلة من الطرق التي تدعم التناظرات الوظيفية والقياس أو تنقدها والتي استخدمت بالنسبة للمعطيات الآثارية.

 

"اختيارنا" لما هو تناظر متواصل يعتمد على الأقل جزئياً على تصوراتنا القبلية الخاصة. هذه الإفادة لا تعني أن النظريات غير متأثرة بالمعطيات لأنها في الواقع تتأثر بها. لكنها تعني أن معرفتنا بالماضي تعتمد على الحاضر وأن مهمة عالم الآثار الصارم  ذو الضمير الحي تكمن في إزالة نسبة الافتراضات وفي تحقيق المعرفة النقدية الذاتية، بخاصة فيما يتعلق بأيديولوجيات الثقافة المادية فالمادة التي ينقبها علماء الآثار من الماضي. يهتم علم الآثار العرقي (الاثنوأركيولوجيا)، وهو علم تعميمي للثقافة الإنسانية، بدراسة الثقافة المادية للمجتمعات المعاصرة والمجتمعات التقليدية ما قبل الصناعية بهدف إنجاز معرفة أكبر بأنفسنا وإعادة تركيب أكثر دقة للماضي عن طريق تفسير تلك المعطيات.

 

إن علم الآثار يعرف ليس فقط من حيث كونه يهتم بالماضي وبالتغيرات الكرونولوجية طالما أن ذلك هو في الأساس فضاء خاص بالمؤرخين. الأقرب، إنه علم يتميز باهتمامه بفضاء الثقافة المادية. هدفنا كعلماء للآثار، وكأعضاء في مجتمع، وكطلاب دارسين للماضي، وككتاب نهتم بالماضي، هو تحقيق وعي ذاتي نقدي فيما يتعلق بالثقافة المادية. مثل هذا المشروع البحثي لا يشمل الخلط بين مناهجنا وأهدافنا. الأصح أنه مشروع يسعى إلى التعرف على أهداف جديدة لعلم الآثار، نتيجة عدم القناعة بأساليب التناول التطورية التي تسعى للتعرف على قوانين التغير الاجتماعي.

 

استخدام التناظر الوظيفي والقياس

عندما ينقب عالم الآثار ويستخرج موضوعاً من باطن الأرض ويقول بأن ذلك الموضوع هو "فأس"، كيف له أن يعرف ذلك؟ قد يؤرخ الموقع الذي عثر فيه على الموضوع إلى ألفية سابقة للسجلات المكتوبة، فكيف، إذن، عرف أنه فأس؟ الإجابة هي، في الحقيقة، أنه لا يعرف. كل ما باستطاعته أن يفعله هو أن يطرح تخميناً منطقياً على أساس أن الموضوع القديم الذي بين يديه يبدو مثل الفؤوس التي شاهدها في مجتمعه أو في مجتمعات معاصرة أخرى. في النصف الأول للقرن التاسع عشر، أرجع العالم الدنمركي لوند Lund فؤوساً حجرية مصقولة من البرازيل لمقارنتها بأدوات أثرية دنمركية. دعمت هذه المعلومة وجهة نظر علماء الآثار الاسكندنافيين مثل نلسونNilsson  والقائلة بأن أدوات صنعية متشابهة عثر عليها في ترابهم كانت بالتأكيد فؤوساً "بدائية". وجدت موضوعات حجرية مصقولة منتشرة بكثرة في أوربا وكان لها شكل فؤوس بجوانب حادة؛ وسميت فؤوساً لتناظرها مع موضوعات حديثة.

 

لدعم تفسير الفأس يمكن لعالم الآثار أن يختبر جانب الأداة عن طريق ميكروسكوب ليظهر أن هناك آثار للتآكل بفعل القطع؛ وقد يجري تجارب لإظهار أنه يمكن قطع شجرة باستخدام مثل هذا الموضوع؛ كما ويمكنه أن يجري دراسات غبار الطلق (اللقاحات) لبيئة الموقع ما قبل التاريخي حيث تم العثور على الموضوع وذلك ليثبت أن الأشجار كانت قد قطعت في المنطقة. مع ذلك فإن كل تلك الدراسات المساعدة طورت لدعم التناظر الوظيفي المبدئي أو إضعافه.

 

الشئ نفسه يمكن قوله تقريباً عن كل تفسير آخر يقدمه عالم الآثار للماضي. نادراً ما يوضح مباشرة الأغراض التي استخدمت لها الموضوعات ما قبل التاريخية. عليه أن يخمن، مستخدماً التناظرات الوظيفية والقياس. بالتالي، فإنه عندما يكتشف دائرة حفر أعمدة في الأرض ويقول "هذا منزل"، فإنه يكون متأثراً بالبينة المتوفرة عن وجود منازل مستديرة يعيش فيها الكثير من الأفارقة والهنود الأمريكيين.

 

الكثير من مثل هذه التفسيرات قد تبدو واضحة بالنسبة لعالم الآثار وقد يكون غير مدرك مطلقاً بأنه يستخدم التناظر الوظيفي والقياس. لا يحتاج الأمر إلى معرفة خبير لوصف موضوع بأنه فأس، أو إبرة، أو ساطور، أو سيف، أو درع، أو خوذة. وتجذرت في التدريس الآثاري فكرة أن دوائر حفر الأعمدة تدل على منازل بحيث أن عالم الآثار لم يعد يسأل عن الأصل الاثنوغرافي للفكرة. استخدامات أخرى للتناظرات الاثنوغرافية تكون أكثر وعياً ومحسوبة. عندما تجرى محاولة لإعادة تركيب نظام العلاقات الاجتماعية ما قبل التاريخية، والتبادل، وطقوس الدفن والأيديولوجيات من شظايا بينة آثارية، فإن عالم الآثار يبحث عن متوازيات وتناظرات معقولة وسط المجتمعات التقليدية الحالية في أفريقيا وآسيا وأمريكا، أو في المجتمعات الأوربية التاريخية.

 

من ثم، فإنه وفي كل تفسير تقريباً للماضي، فإن على عالم الآثار أن يستند إلى معرفة مجتمعه والمجتمعات الأخرى المعاصرة حتى يتمكن من شحن هيكل البقايا باللحم والشحم. هكذا يبدو أن الأخذ بالتناظرات الوظيفية تقوم بدور أساسي في الاستنتاج الآثاري. مع ذلك، حاول بعض علماء الآثار في الفترة الأخيرة إلغاء استخدام التناظرات الوظيفية لكونها غير موثوقة، وغير علمية، وتمثل شكلاً من المحدودية. لماذا هذا التوجه؟

 

إشكاليات التناظر الوظيفي

تفسير الماضي باستخدام التناظر الوظيفي والقياس عد أمراً غير موثوق بسبب، إذا كانت الأشياء والمجتمعات في الوقت الحالي وفي الماضي متشابهة في بعض الجوانب،فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها متشابهة في جوانب أخرى. كمثال لهذا النوع من الصعوبة يمكننا أن نشير إلى إعادة التركيب التي قام بها جراهام كلارك Clark,1954 للحياة في العصر الحجري الوسيط (الميزوليتي) في موقع ستار كار Star Carr بمقاطعة يوركشير في إنجلترا. يقترح كلارك (ص. 10- 12) أن بينة صناعة الجلود في ستار كار تشير إلى وجود نساء مناظرات للسكان الصيادين في شمال أمريكا وجرينلاند. فوسط الاسكيمو الكاريبو تكون النساء مسؤلات عن سلخ الحيوان الذي يقتل وعن تجهيز الجلد للاستخدام، ويقترح كلارك الوضع نفسه بالنسبة للصيادين– الجامعين الميزوليتيين في يوركشير. على أساس وجود النساء، يستمر كلارك ليطرح تكهناً بأعداد السكان الذين عاشوا في ستار كار، وشكل تقسيم العمل. إن بيئة، وتقنية، واقتصاد الصيد – الجمع لسكان ستار كار والاسكيمو، بصورة مائعة وعامة، قابلة للمقارنة. لكن هل تلك التشابهات العامة في بعض الجوانب كافية بحيث تسمح لنا باستنباط علاقات متداخلة في جوانب أخرى؟ لا يبدو أن هناك سبب للاستنتاج بأن تصنيع الجلود وسط الاسكيمو الحاليين، وفي 7.200 ق.م. في ستار كار قد نفذ من قبل الجنس نفسه (الإناث) لكون المجتمعين كان لهما الاقتصاد نفسه والبيئة ذاتها. من ثم يبدو لنا أن تفسير كلارك غير موثوق إلى حد ما.

 

يبدو كلارك، في نموذج ستار كار، وكأنه يفترض "تساوقاً" حتمياً؛ انه يفترض أن المجتمعات والثقافات المتشابهة في بعض الجوانب هي بالتساوق متشابهة. مثل وجهة النظر هذه غير موثوقة، بخاصة إذا ما أخذنا المساحات الزمنية الطويلة التي أجريت فيها المقارنات وكذلك التنوع الكبير للأشكال الثقافية الحالية. صادف أن استخدم كلارك اسكيمو شمال أمريكا، لكنه كان يمكنه اختيار مجتمعات أخرى قام فيها الرجال لا النساء بتصنيع الجلود.

 

إذا كانت التناظرات الوظيفية غير موثوقة، فإنها ستكون بالقدر نفسه غير علمية. أو هكذا تجري المجادلة. لقد طرح العديد من علماء الآثار في الآونة الأخيرة أنه لن يمكننا مطلقاً أن نراجع أو نثبت التناظرات الوظيفية بسبب أنه يمكننا دوماً الكشف عن تناظرات وظيفية بديلة والتي يمكن أن تناسب المعطيات من الماضي بالقدر نفسه. ولأن التشابهات في بعض الجوانب لا تعنى بالضرورة ولا بالمنطق تشابهاً في جوانب أخرى، فإننا لن نثبت مطلقاً تفسيرات من نوع تفسير كلارك لموقع ستار كار. مثل هذا التفسير الآثاري ينظر إليه مثل كتابة رواية ذاتية، مجرد تكهن دون أية قاعدة علمية.

 

في حين سنشرح لاحقاً أن إلصاق تهم عدم الموثوقية ومعاداة- العلمية تنطبق في الواقع على الاستخدام الخاطئ للتناظر الوظيفي والقياس، فإن توجيه الاتهام للتفكير التناظري بأنه يحد معرفتنا للماضي ويعيقها هو أمر علينا أخذه في الحسبان أيضاً. يبدو منطقياً أنه في حالة تفسيرنا للماضي انطلاقاً من تناظره مع الحاضر، فإننا، كما يشير دالتون Dalton,1981، لن نكتشف مطلقاً أشكال المجتمع والثقافة التي لا وجود لها الآن. يكون تفسيرنا محدوداً بمدى معرفتنا للمجتمعات الحالية. وطالما أن هذه المجتمعات، الصناعية منها وغير الصناعية، تمثل سلسلة شديدة التخصص لتكيفات اقتصادية واجتماعية وثقافية متداخلة فيما بينها، فإنه يبدو من غير المحتمل أن تمثل بصورة دقيقة كل مدى الأشكال الاجتماعية التي وجدت في الماضي. بالتالي لن نتمكن أبداً من فهم مجمل التنوع المميز لمجتمعات ما قبل التاريخ. على كلٍ، نقول ما هي العبرة في أن نكرر معرفتنا بالمجتمعات المعاصرة  بإلصاق لافتات على مجتمعات الماضي؟

 

مختلف أنواع النقد الموجه لاستخدام التناظر الوظيفي في البحث الآثاري قاد إلى بروز إفادات متطرفة رافضة للتفكير التناظري في التفسير الآثاري. ادعى فريمان Freeman,1968:262 بأن "الاحباطات الأكثر جدية في النماذج الحالية لتفسير البينة الآثارية ترتبط مباشرة بحقيقة أنها تدمج العديد من التناظرات بالمجموعات الحديثة". في حين أن القليلين من علماء الآثار قد لا يذهبون الآن إلى المدى الذي ذهب إليه فريمان، فإن اتفاقاً عاماً يكاد يكون قد تم التوصل إليه بشأن تحجيم استخدام التناظرات الوظيفية. أشار أوكو Ucko,1969 إلى المخاطر المحتملة في تفسير النشاطات الجنائزية في الماضي باستخدام التناظرات، كما أن بينفورد Binford, 1967 أشار إلى أن التفكير التناظري يظل بلا قيمة في حالة إذ لم يقرن مع إجراءات الاختبار العلمية الصارمة. اقترح ترنجهام أيضاً Tringham,1978:185 أنه يتوجب علينا بذل المحاولة والابتعاد عن كشف التناظرات التي يمكن  تطبيقها على المعطيات الآثارية، هذا في حين حاول جولد Gould,1978 الانتقال إلى "ما وراء التناظر الوظيفي". سأبذل محاولة لتوضيح أن تلك التقييمات لقيمة التناظر الوظيفي والقياس في علم الآثار مظللة بغيوم الفكرة الخاطئة عن الطبيعة والاستخدام السليم للتناظر. سيكون من الممكن حينئذ إعادة تقييم الفرضية القائلة بعدم الموثوقية، وعدم العلمية.

 

الاستخدام الأمثل للتناظر الوظيفي والقياس

كشكل من أشكال الاستدلال، يمكن تعريف التناظر الوظيفي بوصفه "نقل المعلومة من موضوع واحد إلى آخر على أساس شئ من العلاقة المقارنة بينهما" Umeov,1970; Wylie,1980. الاستخدام الأمثل لمثل هذا التناظر تمت مناقشته من قبل فلاسفة العلم Hesse 1974; Copi,1954; Umeov,1970 ويمكننا أن نصل من أعمالهم إلى استنتاجات عامة (انظر: Wylie,1980).

 

يمكن إبراز تمييز بين التناظر الشكلي والتناظر الارتباطي. طبقاً للتناظر الشكلي يطرح بأنه إذا كان لموضوعين أو حالتين خصائص مشتركة، فإنهما لا بدَّ وأن يمتلكا تشابهات أخرى. مثل تلك التناظرات تكون ضعيفة من حيث أن الارتباطات الملاحظة لخصائص الموضوعات أو الأوضاع  قد تكون صدفية أو عرضية. من ثم تحاول تناظرات أخرى، من النوع الارتباطي، تحديد بعض العلاقة الطبيعية أو الثقافية بين الجوانب المختلفة في التناظر. الأشياء المتنوعة المرتبطة في إطار التناظر يقال بأنها تعتمد بعضها على البعض  وليست مرتبطة صدفة.

 

هناك في الواقع تواصل للتنوع من التناظر الأكثر شكلية إلى الارتباطي. المؤسف، نزعت معظم الاستخدامات الآثارية للتناظر للبقاء ضمن مدى الحد الشكلي. إن تفسير كلارك لـ ستار  كار هو في  الواقع تناظر شكلي من حيث القول بتشابه كل من الموقع الميزوليتي والاسكيمو في بعض الجوانب (البيئة، والتقنية، والاقتصاد) وبالتالي فإنهما متماثلان في جوانب أخرى (قيام النساء بتجهيز الجلود). لم يقدم كلارك ربطاً بين جزئي تناظره؛ لم يقل لنا لماذا يجهز النساء الجلود في مثل تلك البيئات، والتقنيات، والاقتصاديات. هناك الكثير من الأمثلة الأخرى. في عصر الحديد المتأخر وجدت في جنوب انجلترا، أربع أو ست حفر أعمدة في أعلى التلال ورتبت مواقع الإقامة في مربع يصل إلى 3x3 متر. قادت التناظرات مع مجتمعات معاصرة وحديثة بـ بيرسو Bersu,1940 أن يقترح بأن حفر الأعمدة تلك احتوت على أعمدة ثبتت صوامع ذات أرضية مرتفعة. التشابه الشكلي في مربع الأعمدة في المجتمعات الزراعية الماضية والحالية عد مؤشراً لوجود وظيفة فوق- أرضية مماثلة.

 

كيف يمكن تقوية مثل هذه التناظرات الشكلية؟ فكلما تزايدت التماثلات التي يمكن التعرف عليها بين الحالتين الخاضعتين للمقارنة، كلما توقعنا تشابهات أخرى. يصبح التناظر الشكلي أكثر معقولية بتزايد عدد المتشابهات. في نقطة محددة، يصبح حجم النقاط التي يمكن المقارنة بينها وعددها من كبر الحجم بحيث يصبح من غير المنطقي افتراض اختلافات في القليل من الجوانب التي لا تعرف لها مقارنات. بالتالي، فإنه في مثال ستار كار، إذا تمكنا من تعداد سلسلة طويلة من الأساليب التي مثل فيها موقع ما قبل تاريخي صورة طبق الأصل من موقع الاسكيمو الحاليين، فإن التشابهات في "اللا معروف"، بما في ذلك من قام بتجهيز الجلود، يمكن توقعها أيضاً.

 

التشابه بين "تربيع" ترتيبات حفر الأعمدة في المواقع القديمة والحالية يمكن أن يزداد عن طريق الدراسة التفصيلية لأبعاد حفر الأعمدة، عرضها وعمقها، وعن طريق مراعاة ظروف التربة، ووجود طفيليات ورطوبة يمكنها أن تجعل تخزين الحبوب في مكان مرتفع عن الأرض أمراً ضرورياً، وكذلك عن طريق البحث عن بينة لحبوب داخل الحفر. كلما تزايد عدد التشابهات بين ترتيبات حفر الأعمدة القديمة وبين الصوامع الحالية المرتفعة عن الأرض، أصبح تفسير ظاهرة عصر الحديد انطلاقاً من مصطلحات التخزين أكثر قبولاً.

 

أحد الطرق لزيادة عدد التشابهات الشكلية بين حالات الماضي والحاضر يكمن في مقارنة موقع أثري بالمواقع الحديثة في المنطقة عينها. بالتالي في أفريقيا يمكن في حالات تفسير مواقع ما قبل التاريخ على أساس التناظرات في المنطقة نفسها، أي بافتراض استمرارية المعطيات الآثارية والاثنوغرافية. مثل هذا النوع من المقارنات يؤلف ما يعرف بـ "التناول التاريخي المباشر" في علم الآثار. في حين يمكن افتراض علاقة بين الماضي والحاضر، فإنه يكون من الأيسر الاعتراف بالعديد من التشابهات الشكلية بين المعلومات التي تجري مقارنتها.

 

إذا لم يصبح ممكناً إتباع التناول التاريخي المباشر، فإنه يمكن تقوية التناظرات الشكلية باللجوء إلى استراتيجيات مختلفة جداً. بدلاً عن الاكتفاء فقط بزيادة عدد التشابهات بين مصدر التناظر وموضوعه، فإن التشديد على مدى الحالات التي يمكن فيها الربط بين خصائص التناظر المختلفة. بالتالي، إذا أصبح من الممكن تبيان، غض النظر عن البيئة أو الاقتصاد، أن صناعة الجلد دائماً ما تعد وظيفة نسائية، فإن تفسير كلارك لموقع ستار كار سيكون أكثر صلاحية. التشابه، إذا أمكن توضيح كون أنماط حفر الأعمدة ذات الأبعاد التفصيلية المحددة كانت، في الأمثلة الحديثة والتاريخية، مرتبطة دائماً بالصوامع المرتفعة عن الأرض، فإن تفسير عصر الحديد سيكون أكثر موثوقية. إلا أنه في الواقع، لا يمكن إثبات أي من  الارتباطين. مع ذلك يبقى ممكناً تثبيت استخدام التناظر عن طريق التأكيد على اتساع مداه. في علم الآثار الحديث أصبحت مثل هذه الإفادات واسعة المدى، والصالحة للاستخدام بالنسبة لمختلف الثقافات والبيئات، تعد أحياناً قوانين كل- ثقافية (cross-cultural laws).

 

قدم شيفر، وهو أحد دعاة تطوير القوانين الكل- ثقافية، أو "المترابطات"، الكثير من الأمثلة. يصف شيفر Schiffer,1978:233 القانون المشتق من الدراسات الاثنوغرافية المفصلة التي قام بها يلين Yellen,1977 والتي مفادها أن التنوع في النشاطات الإعاشية المتبعة في موقع إقامة يتغير بصورة مباشرة بطول فترة الإقامة. بالتالي فإن "القانون"، والذي هو في هذه الحالة ليس أكثر من مجرد تعبير ارتباطي، يقول بأنه كلما طالت إقامة مجموعة في المكان نفسه، كلما مارست أنواعاً مختلفة من النشاطات. ويشير شيفر (المرجع السابق: ص.244) إلى أن هذه الملاحظة صيغت بصورة مستقلة في أوضاع مختلفة. لدى الدعوة لموثوقية التناظر، يتم الرجوع إلى مدى واسع من المجتمعات والثقافات التي تنطبق عليها العلاقة المفترضة بين طول فترة الإقامة وعدد النشاطات.

 

يمكن تحديد جانب ثالث لتقوية التناظرات الشكلية. الاستنتاجات التي يتم التوصل إليها من التناظر يجب ألا تكون طموحة للغاية فيما يتعلق بعدد التشابهات بين المصدر والموضوع. في المثال الذي يورده كلارك، القليل من الاهتمام وجه لتعداد التشابهات بين صيادي ستار كار والاسكيمو ومع ذلك فإن التفسيرات التي قدمت كانت جد طموحة. على أية حال، فإن تفسيراً حذراً ومتواضعاً يعتمد على أعداد كبيرة من الأدلة قد يبدو مقبولاً أكثر.

 

يمكننا أن نقوي تناظراتنا بزيادة عدد التشابهات ومداها بين موضوعات الماضي والحاضر، والمقارنات المعقودة في المدى الشكلي ستظل دوماً مغطاة بغيوم عدم الموثوقية وستظل دائماً صيداً سهلاً للسخرية وعرضة للاتهام بمعاداة العلمية. بخاصة، سيكون من الممكن دائماً توفير أمثلة تجعل الارتباطات أو العلاقات الترابطية المفترضة عرضة للانهيار. اللهجة المحبطة التي ميزت بحث أوكو Ucko,1969 ا