أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

Copyright © 2005 ArkamaniEducational Project All rights reserved.

© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005  مشروع أركامانى التعليمي

 

 

 

 

 

 

تشريع حمورابى (حوالي 1780 ق.م.)

دراسة تحليلية لمواد التشريع مؤشراً لإعادة تركيب الحياة الاجتماعية-الاقتصادية

في المجتمع البابلي

أ.د. أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

 

 

 

لا شك في أن حمورابى كان الملك الذي أسس عظمة بابل، الدولة العاصمة المتروبول الأولى في التاريخ. العديد من آثار عهد حمورابى (1795-1750 ق.م.) تم الاحتفاظ بها، و يمكننا اليوم دراسة سيرة هذا الملك العظيم .. مشرعاً حكيماً كما يتجلى ذلك في تشريعه المشهور، النموذج الأول المعروف لحاكم قدم لشعبه جسماً متكاملاً من القوانين المرتبة في مجموعات منتظمة بحيث يقرأها كافة الناس و يعرفون ما هو مطلوب منهم. يمثل تشريع حمورابى المصدر الأكثر أهمية لدراسة الحياة الاقتصادية و الاجتماعية للمملكة البابلية. نقش التشريع على حجر تذكاري أسود، و كرس بكامل الوضوح ليكون مقروءاً للجماهير. في الجزء الأعلى للحجر التذكاري صُور الملك متربعاً على كرسي العرش بينما غطيت الأجزاء المتبقية كلها بنص بالكتابة المسمارية العتيقة يتكون من 247 مادة قانونية. مسحت خمسة أعمدة، احتمالا، من قبل أحد الغزاة العيلاميين الذى حمل هذا الحجر التذكاري المشهور غنيمة إلى سوزي حيث تم العثور عليه في عام 1901. إلا أن النقص في النص و الناجم عن عملية المسح قد أصبحت إعادة تركيبه ممكنة بفضل نسخ التشريع التي تم الكشف عنها و التي كانت مخصصة للكتبة و القضاة لاستخدامها مراجع للدراسة أو دليلاً للإجراءات القضائية.

 

مع ذلك فإنه مع هذه السلسلة من القوانين المبكرة، كما هو الحال مع معظم الأشياء في بابل، نجد أنفسنا نتعامل مع نهايات الأشياء أكثر من التعامل مع بداياتها. لم يكن تشريع حمورابى هو الأقدم. يشكل تشريع حمورابى تطويراً لاحقاً للقوانين السومرية القديمة و تشريعاً لها، و هي التي أثرت تأثيراً قوياً على سن القوانين البابلية. كانت إجراءات حمورابى القانونية أكثر ترتيباً مقارنة بمجموعة الإجراءات القانونية السومرية حيث تتجلى فيها نزعة المشرع إلى توحيد مجموعة القوانين ذات الصلة من حيث محتواها. إلا أنه لا يجوز مع ذلك عده تشريعاً بالمعنى المحدد للمصطلح بقدر ما هو مجموعة قرارات قانونية متفرقة (قانون عرفي). اختفت سلاسل القوانين السابقة، لكن وجدنا العديد من آثارها، و يدلل تشريع حمورابى على وجودها. بالتالي فإنه يعيد ترتيب نظام قانوني تم تأسيسه منذ أزمان سابقة له.

 

يتألف تشريع حمورابى من ثلاثة أجزاء :

1. مقدمة؛

2. القانون في حد ذاته؛

3. خاتمة.

 

في التصدير وضح المشرع أن الهدف من سلسلة القوانين هذه هو إقرار العدالة في البلاد. يلي ذلك تعداد ألقاب الملك و عبارات التبجيل و التعظيم بحقه و تعداد أفضاله و خدماته التي أسداها للبلاد. في الجزء الأوسط، القانون في حد ذاته، عددت مواد القانون الجنائي، و إجراءات المحاكم، و العقوبات على خرق قانون الملكية الخاصة و العامة، و قانون حقوق الجنود. و تتحدث مواد متفرقة عن حقوق الملكية غير المنقولة، و عن التجارة، و الضرائب، و قانون الأسرة، و الإصابات الجسدية، و عن العمل المأجور و العبودية. و في الخاتمة تعدد مآثر الملك الذى يطلب الرحمة من الآلهة لأولئك الملوك الذين سيطبقون تشريعه، ويكيل اللعنات على أولئك الذين لن يلتزموا به أو يقرروا عدم الاكتراث له.  

 

ينسق تشريع حمورابى من ثم في سطور واضحة و محددة تنظيم المجتمع. القاضي الذى يخطئ في قضية قانونية يتوجب فصله من منصبه إلى الأبد، ويغرم غرامة كبيرة. الشاهد الذى يشهد بالزور يتوجب قتله. بالطبع، كان الموت عقاباً لكل الجرائم الكبرى. إذا بنى شخصاً منزلاً بطريقة سيئة، و سقط المنزل و قتل مالكه، فإن الباني سيعاقب بالموت. إذا قُتل ابن صاحب المنزل فإن الموت سيكون جزاء ابن الباني. هنا نجد من أين تعلم اليهود قانونهم الذي ينص على "العين بالعين". تلك العقوبات الانتقامية الشرسة لا تعير انتباها للأعذار و التفسيرات، لكن فقط للحقيقة - مع استثناء مدهش أوحد. سمح للشخص المتهم أن يرمى بنفسه في "النهر"، الفرات. واضح أن فن السباحة ما كان معروفاً؛ بحيث أنه لو جرفه التيار إلى ضفة النهر حياً فسيتم إعلان براءته، و إذا غرق ففي ذلك إثبات على أنه مذنب. هكذا ندرك أن الإيمان بعدالة الآلهة الحاكمة كان قد اكتمل تمثله، ولو بأسلوب طفولي، في أذهان الناس.

 

المادة المتوفرة لدراسة القانون البابلي بإنفراد واسعة دون أن تكون شاملة. فما يسمى بـ "العقود"، بما في ذلك أعمال، و سندات، و إيصالات، و حسابات شديدة التنوع، و الأكثر أهمية من بينها، القرارات القانونية الفعلية التي يصدرها القضاة في المحاكم، كل تلك توجد بالآلاف. النقوش التاريخية، و المراسيم الملكية، و الرسائل الخطية للملوك، و المكاتبات، و الرسائل الشخصية، و النصوص الأدبية العامة تقدم معلومات إضافية قيمة. هذا فضلاً عن الأعمال النحوية و المعجمية، المكرسة فقط لتيسير دراسة الأدب القديم و تحتوى مقتطفات و جمل قصيرة ذات علاقة بالقانون و العرف. كذلك تم الاحتفاظ بما يسمى "قوانين الأسرة السومرية". إن اكتشاف تشريع حمورابى الذي نال الآن شهرة (من الآن فصاعداً سنشير إليه فقط بالتشريع) قد جعل، على كل، الدراسة أكثر انتظاما بدلاً عن كونها مجرد تصنيف للمادة و تفسيرها. بعض شظايا من التشريع موجودة و قد تم نشرها؛ لكن لازال هناك الكثير من النقاط التي لا نمتلك بينة لها.

 

يرجع تاريخ المادة إلى فترة تمتد من أكثر الأزمان المبكرة حتى بداية العصر المسيحي. قد تكون البينة بشأن نقطة معينة مكتملة جداً في فترة محددة لكنها غائبة كلياً في فترة أخرى. يمثل التشريع عظمة الظهر لمخطط هيكلي نحاول هنا إعادة تركيبه. شظاياه التي تمت استعادتها من مكتبة أشور بانيبال في نمرود، و النسخ البابلية اللاحقة تظهر أنه قد تمت دراستها، و قسمت إلى فصول حملت عنوان "نينو إيلو سيروم" منذ انطلاقة كلماتها الافتتاحية، و أعيد نسخها على مدى ألف و خمسمائة سنة أو ما يزيد. الجزء الأعظم منها ظل مطبقاً، حتى خلال الغزو الفارسي، و الإغريقي، و البارثي، و الذي لم يؤثر إلا قليلاً على الحياة الخاصة البابلية، و بقيت لتؤثر على القانون السوري - الروماني، و الإسلامي اللاحق في بلاد الرافدين. القانون و العرف الذى سبق التشريع سنسميه "المبكر"، بينما نسمى الخاص بالإمبراطورية البابلية الحديثة (و كذلك الفارسية، و الإغريقية) بـ "المتأخر". اشتق القانون في أشور من القانون البابلي لكنه حافظ على سمات مبكرة كانت قد اختفت منذ أزمان في أماكن أخرى.

 

عندما استقرت القبائل المتحدثة بلغات سامية في مدن بابل، أجرت أعرافها القبلية على قانون المدينة. التاريخ المبكر للبلاد هو تاريخ صراع من أجل السيادة بين المدن. فرضت العاصمة الجزية و الدعم العسكري على المدن التابعة لها لكنها تركت معبودات تلك المدن وأعرافها دون مساس. لقد تم الاعتراف بحقوق المدينة من قبل الملوك و الغزاة على حد سواء.

 

في وقت متأخر يرجع إلى تاريخ اعتلاء كل من اشوربانيبال و سمس-سوم-يوكين العرش نجد البابليين يحتكمون إلى قانون مدينتهم الذي يسمح للأجانب بعدد عشرين فرداً للدخول دفعة واحدة بحرية إلى المدينة، النساء الأجنبيات اللائي كن في وقت ما زوجات لأزواج بابليين لا يمكن استرقاقهن ولا يمكن قتل من يدخل المدينة حتى لو كان كلباً بدون محاكمة.

 

كان سكان بابل من أعراق مختلفة منذ الأزمان المبكرة و كانت الصلات المتبادلة بين المدن مستمرة. في كل مدينة يوجد العديد من المقيمين الأجانب. هذه الحرية للتواصل كان لا بد وأن تنزع إلى انصهار الأعراف. ولقد تم الاحتفاظ بالفضل، على كل، لعبقرية حمورابى أن يجعل بابل عاصمة له و يلحم في كل واحد إمبراطوريته المترامية بنظام قانوني موحد.

 

اختفت تقريباً كل الأعراف القبلية من مواد التشريع. إنها دولة - قانون، اختفت فيها المساعدة الذاتية، و استبعد الثأر الدموي، و الزواج القسري بالأسر؛ رغم أن التعاون الأسرى، و المسئولية الإقليمية، و الضغينة كانت سمات بدائية حافظت على الوجود. الملك هو أرستقراطي فاضل، يتيسر الوصول إليه من قبل أفراد رعيته، و قادر على حماية الضعيف ضد المُضطهد المتمتع بوضع متميز، و راغب في تقديم تلك الخدمة. السلطة الملكية، يمكن أن تعفو فقط عندما يتم استرضاء الاستياء الشخصي. يتم الإشراف الحازم على القضاة وتتوفر فرصة الاستئناف. تغطى الأرض كلها بالأملاك الإقطاعية، و جامعي الضرائب، و الشرطة الخ. هناك نظام مرتب و فاعل للبريد. الأمن البابلي منضبط للدرجة التي تسمح للأفراد بعدم التردد في ركوب مركباتهم من بابل إلى ساحل الأبيض المتوسط.

 

لم يحتو التشريع فقط العرف المعاصر أو يحتفظ بالقانون القديم. حقيقة أن قرون من الالتزام بالقانون  و المشاكسات العادية تراكمت في أرشيف كل مدينة في شكل ترسانة ضخمة من الأعمال السابقة القديمة و سجلات القرارات القضائية، وأدى ذلك التلاقح إلى انصهار أعراف المدن. زاد الانتشار الواسع للكتابة و التحول إلى العقود المكتوبة من تعديل العرف البدائي والسوابق القديمة. في حالة اتفاق الأطراف فإن القانون سمح لهم في العادة للتعاقد فيما بينهم. عملية الاتفاق يتم تسجيلها في المعبد من قبل كاتب عدل عام، ويوثق بقسم "باسم الإله وباسم الملك". يتم ختم الاتفاق علناً و يشهد عليه شهود و متخصصون، إلى جانب الأطراف المعنية. يضمن العرف أو الرأي العام بأن لا يكون اتفاق الأطراف على غير وجه حق. في حالة النزاع يتعامل القضاة بداية مع العقد. قد لا يمكنهم إثباته، لكن إذا لم يظهر اعتراض من الأطراف، فللقضاة الحرية في اعتماده. يمكن أن يتم استئناف قرار القضاة. الكثير من العقود تحتوي على شرط بأنه في حالة نزاع مستقبلي فإن الأطراف المعنية تتقيد "بقرار الملك". يعلن التشريع عن نوعية الحكم الصادر في العديد من القضايا، و يتم إرجاع العديد من الاستئنافات المرفوعة للملك إلى القضاة بتعليمات للبت فيها طبقاً للحالة. رتب التشريع نفسه بعناية و بمنطقية و حتم تنظيم أقسامه وفق مادة موضوعها.

 

ينظر التشريع للسكان بوصفهم ينقسمون إلى ثلاث طبقات، أميلو، و موسكينو، و أردو. الأميلو هو الأرستقراطي، المنتمى إلى أسرة أرستقراطية، و يكون ميلاده و زواجه و موته مسجلاً، و له أملاك من أسلافه و له كافة الحقوق المدنية. له إمتيازات و عليه واجبات أرستقراطية، و له حق الانتقام للإصابات الجسدية، و المسئولية القانونية التي تجعله عرضة للعقاب الشديد على الجرائم و الجنح، و يتوجب عليه دفع الرسوم و الغرامات الباهظة. ينتمي إلى هذه الطبقة الملك و بلاطه، و كبار الموظفين، و المتخصصون و الحرفيون. لكن المصطلح أصبح مع مرور الزمن لقباً للمجاملة. ففي التشريع، عندما لا يكون المنصب معنياً، فإن المصطلح يستخدم ليعنى "أي شخص". لا يرتبط المصطلح بالملكية الشخصية كما ولا يظهر أن له بعداً عرقياً. من الصعوبة بمكان وصف الموسكينو بدقة. ظهر المصطلح في وقته بمعنى "الشحات" و بهذا المعنى انتقل عبر اللغتين الآرامية و العبرية إلى العديد من اللغات الحديثة؛ لكنه رغم أن التشريع لا يعده بالضرورة فقيراً، فيبدو أنه لا يمتلك أرضاً. كان الموسكينو حراً، لكن عليه قبول التعويض المالي عن الإصابات الجسدية، و يدفع رسوم و غرامات أقل، بل و يقدم هبات أقل للآلهة. يسكن الموسكينو في حي خاص بهم في المدينة. ليس هناك من سبب يدعو لعد الموسكينو مرتبطاً بصفة خاصة بالقصر، كمتقاعد ملكي، ولا بوصفه منتمياً إلى طبقة تؤلف أغلبية السكان. شح الإشارات إليه في الوثائق المعاصرة تجعل محاولة تصنيف أبعد من ذلك للموسكينو ضرباً من التخمين. كان الأردو عبداً، أثاثاً لسيدة، و شكل طبقة كبيرة العدد. يمكنه أن يقتنى ملكية بل حتى أن يمتلك عبيداً. يقوم سيده بكسوته و إطعامه، و يدفع عنه تكاليف الطبيب، لكن السيد ينال كل تعويض يدفع للأردو نظير إصابة لحقت به. عادة ما يجد له سيده جارية لتصبح زوجة له (ويولد الأطفال في هذه الحال بوصفهم عبيداً)، يضعه السيد عادة في منزل (مع مزرعة أو ورشة) ويأخذ إيجاراً سنوياً منه. خلاف ذلك يمكن للأردو أن يتزوج من امرأة حرة (في هذه الحال يكون الأطفال أحراراً)، و التي يمكنها أن تجلب له ميراثاً لا يستطيع سيده أن يمسه، و لدى وفاة العبد تذهب نصف ممتلكاته إلى سيده و النصف الآخر لوريثه. يمكنه أن ينال حريته بالشراء من سيده، أو يمكن عتقه ليكرس لمعبد، أو حتى تبنيه، عندها يكون قد أصبح أميلو لا موسكينو. العبيد تم امتلاكهم عن طريق الشراء من الخارج، و من الأسرى في المعارك، و من الأحرار الذين انحدروا إلى مرتبة العبودية نتيجة الدين أو الجريمة. العبد عادة ما يهرب، فإذا قبض عليه، فإن على من قبضه إرجاعه إلى سيده، ويحدد التشريع مكافأة يتوجب على السيد أن يدفعها لمن قبض على العبد وأرجعه له. و كانت نسبة المكافأة تبلغ عُشر القيمة الفعلية للعبد. و كانت عقوبة الإعدام توقع على من يأوي أو يأسر عبداً هارباً. كذلك كانت العقوبة في حالة محاولة جعله يغادر المدينة. يحمل العبد علامة تعريف، و التي يمكن إزالتها فقط عن طريق عملية جراحية، و التي أصبحت لاحقاً تتكون من اسم سيده بالوشم أو الوسم على ذراع العبد. في الملكيات الكبيرة في أشور و الولايات الخاضعة لها كان هناك العديد من الأقنان، عادة من جنسيات خاضعة، و أسرى مقيمين، أو عبيد سابقين، مرتبطين بالأرض التي يفلحونها و يباعون مع الملكيات لكنهم قادرون على امتلاك أرض و ممتلكات خاصة بهم. هناك آثار قليلة دالة على وجود الأقنان في بابل، إلا إذا كان من الجائز عد الموسكينو أقناناً.

 

كان إله المدينة في الأصل هو مالك الأرض، و التي تحاط في دائرة داخلية من الأرض المروية الصالحة للزراعة و على حافتها مراعى، و كان المواطنون هم المستأجرون منه. و قد توقف الإله، و نائبه الوصي، الملك، عن إعاقة مدة الإيجار و اكتفيا بتحصيل المستحقات في شكل ريع عيني، أو نقدي، أو خدماتي (سخرة). واحد من أقدم الآثار يسجل شراء ملك ملكية كبيرة لابنه، بعد أن دفع قيمة تتناسب وسعر السوق مضافاً إليها قيمة أتعاب معتبرة للمالكين في شكل ملابس، و أواني، و أثاثات باهظة الثمن. يعترف التشريع بالملكية الكلية الخاصة على الأرض، لكن يبدو أن المنذورين*، والتجار (والمقيمين الأجانب؟) كان لهم الحق في امتلاك أرض. لكن كل أرض تباع وفقاً لرسومها المحددة. و يمكن للملك أن يعفي، على كلٍ، أرضاً من تلك الرسوم بمرسوم يصدره، و هو أسلوب كان شائعاً لمكافأة أولئك الذين يستحقون ذلك نظير خدمات أسدوها للدولة. انه من واقع تلك المراسيم ندين بكل ما نعرفه عن الالتزامات الخاصة بالأرض. احتاجت الدولة للجيش و السخرة و كذلك للمستحقات العينية. تم تخصيص مساحة خاصة لإعالة النبال سوياً مع الرماح و المرتبط بهما (الذى يحمل الدرع للاثنين) ومدهم بالمؤن للحملة. هذه المساحة أطلقت عليها منذ القرن الثامن ق.م. تسمية "القوس"، لكن الاستخدام كان أقدم من ذلك. لاحقاً، كان لـ "الفارس" دخلاً آخر مستحقاً من مساحات محددة. كان على الرجل أن يخدم في الجندية عدة مرات (ست مرات؟)، لكن الأرض كانت تحتاج لإيجاد رجال سنوياً. تم تنفيذ الخدمة عادة عن طريق العبيد و الأقنان، لكن الأميلو (و احتمالاً الموسكينو) ذهبوا للحرب. جمعت "الأقواس" في عشرات ومئات. الرماح كانت أقل انتظاماً. رسائل حمورابى عادة ما كانت تتعلق بالإعفاءات. الموظفون الدينيون و الرعاة القائمين على رعاية القطعان كانوا معفيين من الجندية. مسئوليات خاصة وقعت على عاتق ملاك المرممين لترميم القنوات، و الجسور، و أرصفة المواني الخ. طالبت الدولة بنسب محددة من المحاصيل، و العلف الخ. و يمكن لرسل الملك الاستيلاء على ملكية أي مواطن، وإعطاء إيصالاً بذلك. بالإضافة، كانت كل مدينة تجبى مستحقات في شكل الرسوم المفروضة على السلع المجلوبة إليها، و في شكل الضرائب، و مستحقات العبارات، و الطرق، و رسوم المياه. توقف الملك منذ أزمان أن يكون، إذا كان هو كذلك في أي فترة، المالك للأرض. لديه ملكياته الملكية الخاصة و مستحقاته من كافة رعاياه. كان لكبار الموظفين هبات و مقرات رسمية. ينظم التشريع وضع بعض الطبقات التي يقتطع لها الملك ضيعات تتألف من منزل، و مزرعة، و حقل، و قطعان، و مرتب، نظير خدمة شخصية تنفيذاً لمهام ملكية. لا يحق لهم تفويض الخدمات في حالة الوفاة. عندما يكلفون بمهام خارجية يمكنه أن يعين ابنه، إذا كان مقتدراً، أن يستلم الضيعة ويقوم بالمهمة. إذا لم يكن له ابن قادر توضع الضيعة تحت النائب، لكن الثلث منها يكون لزوجته لإعالة نفسها و الأطفال. الضيعة كانت غير قابلة للنقل، ولا يمكن بيعها، أو استبدالها، أو تأجيرها، أو إزالتها. أرض أخرى يحتفظ بها في الضيعة للإيجار. الضيعات العائلية ترتبط كلياً بالعائلة. إذا باعها المالك، فللعائلة الحق في التعويض ويبدو أنه لم يكن هناك سقف زمني لهذه الممارسة.

 

احتل المعبد الموقع الأكثر أهمية. تمثل دخله  مما تدفعه الضيعات، و من الأعشار و غيرها من المستحقات، إلى جانب الأضحيات (نصيب مألوف) و غيرها من الهبات التي يقدمها المؤمنون، كميات كبيرة من الهبات العينية؛ بالإضافة إلى النقود و الهدايا الدائمة. يوجد في المعابد الكبيرة أعداد كبيرة من الموظفين و الخدم. في الأصل، احتمالاً، تجمعت كل مدينة حول معبد، و لكل رأس عائلة الحق في الخدمة هناك و ينال نصيبه من الدخل. و مع نمو المدينة، استقر حق الخدمة لأيام محددة من السنة في ضريح (أو في "مدخله") في عائلات بعينها و أصبح نوعاً من الملكية يمكن ادعاءه، و تأجيره، أو اقتسامه داخل العائلة، لكن ليس نزعه. رغم كل تلك المتطلبات، على كلٍ، أصبحت المعابد مصادر و مخازن؛ كما كانت أيضاً أرشيفات للمدينة. قام المعبد بمهامه و مسئولياته. إذا أسر مواطن من قبل العدو و لم يتمكن من دفع الفدية لتحرير نفسه فإن معبد المدينة يقوم بالدفع نيابة عنه. جاء إلى المعبد الفلاح الفقير لاستلاف بذور القمح أو مؤن الحصاد الخ. و هي سلفيات يسددها بدون أرباح. سلطة الملك على المعبد ليست بملكية وإنما إدارية. يمكنه أن يستلف من المعبد لكنه يسدد مثله مثل المستدينين الآخرين. كانت الأعشار فيما يبدو بمثابة الإيجار المستحق للإله على أرضه. ليس واضحاً عما إذا كانت كل الأراضي تدفع الأعشار.

 

يتناول التشريع طبقة أشخاص كرسوا حياتهم لعبادة إله، كراهبات خادمات في الهيكل. الراهبات يقسمن على العفة، و يعشن سوياً في دير كبير للراهبات، و يمنعن من فتح حانات أو دخولها، و سوياً مع المنذورين الآخرين يتمتعن إمتيازات كثيرة.

 

يعترف التشريع بوسائل عديدة للتخلص من الملكية: البيع، و الإيجار، و المقايضة، و الإهداء، و التكريس، و الإيداع، و القرض، و الوعد، و كلها مسائل ترتبط بعقد. كان البيع هو تسليم المشترى (في حالة الضيعة الفعلية يتجسد في موظفين، و مفتاح، أو إجراء نقل الملكية إلى المشترى) نظير المبلغ المدفوع للبائع، و يعطى إيصال لكل من البائع و المشترى. يعد الإعتماد، في حالة دفعه، ديناً، و يقدم كقرض من البائع واجب السداد من قبل المشترى الذى يقدم سنداً بذلك. لا يعتمد التشريع أي ادعاء غير مدعوم بوثائق أو قسم شهود. على المشترى أن يقنع نفسه بلقب البائع. إذا اشترى (أو استلم كوديعة) من من هو أدنى منه أو من عبد بدون سلطة محامى، فإنه سيعاقب بوصفه لصاً. إذا كانت السلع مسروقة و طالب بها مالكها الفعلي، فعلى من اشتراها أن يثبت صحة إجراءات الشراء أو شهود على ذلك. خلاف ذلك فإنه يكون عرضة للمحاكمة بوصفه لصاً و يقتل. إذا أثبت صحة الشراء، عليه أن يتنازل عن السلع لكنه ينال تعويضه من البائع أو، إذا كان البائع قد مات، فيجوز له أن يطالب بخمسة أضعافها من ممتلكاته. الرجل الذي يشترى عبداً من الخارج، قد يكتشف أنه قد سرق أو أسر من بابل، و عليه أن يعيده إلى سيده السابق دون تحقيق ربح من ذلك. إذا اشترى  ممتلكات تخص ضيعة، أو هيئة عامة، فعليه إعادتها و يغرم بقدر ما دفعه في شرائها. يمكنه رفض الاعتراف بشراء عبد أصيب بمرض "بنو" خلال شهر (لاحقاً مائة يوم)، و تمنح له جارية خلال ثلاثة أيام من الموافقة. أي خلل في اللقب أو مسئولية غير معلنة تلقى صلاحية البيع في أي وقت.

 

كثيراً ما يقوم ملاك الأراضي بفلاحة أراضيهم بأنفسهم لكنهم قد يوظفون فلاحاً أو يؤجرونها. يجب على الفلاح أن يقوم بعملية الفلاحة على الوجه الأمثل، يزرع محصولاً عادياً و يترك الحقل محروثاً بصورة جيدة. في حالة فشل المحصول يثبت التشريع عائداً قانونياً. يمكن تأجير الأرض بإيجار محدد في حين شرع التشريع بأن تعد الخسارة الصدفية على حساب المستأجر. إذا كان الإيجار عن طريق تقاسم الربح، فإن مالك الأرض و المستأجر يتقاسمان الخسارة بالمعدل المشروط في تقاسم الربح. إذا دفع المستأجر الإيجار و ترك الأرض محروثة بصورة جيدة، فإن مالك الأرض لن يستطيع التدخل كما ولا يستطيع أن يمنع التأجير إلى طرف ثالث. تؤجر الأرض البور القابلة للاسترداد، لا يدفع المستأجر إيجاراً في الثلاث سنوات الأولى و يدفع الإيجار المشترط في السنة الرابعة. إذا تجاهل المستأجر استرداد الأرض فإن التشريع نص بأنه لا بد من تسليمها محروثة بصورة جيدة و حدد إيجاراً قانونياً. البساتين و المزارع تؤجر بالشروط نفسها، لكن بالنسبة لبساتين النحيل فقد سمح بأربع سنوات بلا إيجار. على المالك أن يوفر الأرض، و العمال، و الثور للحرث و لتحريك النواعير، و بذور القمح، و الأكل للعمال و العلف للماشية. عادة ما يكون للمستأجر، أو الوكيل، أرضاً أخرى خاصة به. إذا سرق من البذور، أو من حصص طعام العمال أو من علف الماشية، نص  التشريع بقطع أصابعه. إذا خصخص أو باع الأدوات، أو جوع الماشية أو أجرها إلى آخر، فإنه يغرم غرامة كبيرة و في حالة العجز عن دفعها يحكم عليه بالتقطيع إرباً بالماشية في الحقل. التأجير  كما مبين في العقد.

 

كان الري ضرورياً. إذا أهمل المزارع إصلاح قناته، أو ترك ساقيته دائرة و تسببت في فيضان، عليه أن يصلح الأضرار التي لحقت بمحصول جاره، أو يباع هو و أفراد أسرته لسداد التكلفة. سرقة آلة ري، أو سطل ماء أو أية أدوات زراعية أخرى ينتج عنه دفع غرامة كبيرة.

 

تؤجر المنازل عموماً لمدة عام، لكن أيضاً لفترات أطول، و يدفع الإيجار مقدماً، كل نصف عام. دائماً ما يحدد العقد أن يكون المنزل مصان جيداً، و على المستأجر أن يحافظ عليه مصاناً. المصنوعات الخشبية، بما فيها الأبواب، و حلقات الأبواب، قابلة للاستبدال و يجوز للمستأجر أن يستبدلها بتلك الخاصة به. و يؤكد التشريع على أن مالك العقار إذا رجع للإقامة في منزله قبل انقضاء الفترة المنصوص عليها في العقد، يتوجب عليه إعادة نسبة معقولة من الإيجار للمستأجر. تؤجر الأرض لبناء منازل أو مبان أخرى، المستأجر لا يدفع إيجاراً عليها لمدة ثمان إلى عشر سنوات، يؤول بعدها المن