| Copyright © 2005 ArkamaniEducational Project All rights reserved. |
© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005 مشروع أركامانى التعليمي |
التاريخ الثقافي القديم للأمريكتين (1)
أ.د. أسامة عبدالرحمن النور
يلاحظ في الكتابات التاريخية المتخصصة التي تتناول التاريخ الثقافي القديم للسكان الأصليين للقارة الأمريكية المتوفرة باللغة العربية، على شحها اللافت للانتباه، أنها من النمط الذى هيمنت عليه رؤية "الاستعمار الأوربي الحامل للمدنية" إلى القارة الأمريكية، وهو ما يتطلب تسليط الضوء على النتائج الأخيرة التي توصل إليها البحث الآثارى والتاريخي الجاري في القارة الأمريكية المنطلق من قاعدة منهجية جد مختلفة عن الدراسات السابقة ذات التوجه القائم على نزعة المركزة الأوربية.
عليه تأتي محاضراتنا هذه للتاريخ القديم للسكان الأصليين للقارة الأمريكية من منطلق أحدث النتائج التي توصلت إليها أعمال الاستكشاف والتنقيب الآثارى الجارية بخاصة في أمريكا الوسطى والمكسيك و البيرو، بالإضافة إلى الدراسات الأنثروبولوجية التي يقوم بها متخصصون من أبناء السكان الأصليين أنفسهم والمنشورة سواء باللغة الأسبانية أو الإنجليزية، و كذلك الأبحاث العديدة التي سطرت على صفحات الدوريات و المجلات العلمية التاريخية المتخصصة الصادرة عن الجامعات و مراكز البحوث التاريخية في الولايات المتحدة الأمريكية و في دول أمريكا الجنوبية المختلفة و في أسبانيا.
ما يبدو متناقضاً في تاريخ القارة الأمريكية أنه أحد أقدم و أفضل تقسيمات التاريخ الحديث من جهة، و هو من جهة ثانية ميدان دراسة جديدة و طموحة، تمتد الجذور الأولى لهذا التقسيم في أوربا في حين تستمد نماذجه من كتابة التاريخ الأوربي. بالطبع يجب ألا تصيبنا الدهشة من مثل هذا الواقع طالما أننا ندرك قوة التقاليد الثقافية الأوربية للمثقفين الأمريكيين المتحدرين من أصول تمتد إلى ما وراء المحيط، أي إلى أوربا. إن المناقشات الحامية الوطيس بين "المؤيدين للأوربية" و "المؤيدين للهندية" حول دور أوربا في العالم الجديد، اللا إنسانية و القسوة الأوربية نحو السكان الأصليين للقارة الأمريكية، أو رسالة التمدن الأوربية المفيدة، إنما تقف شاهداً على يقظة التحقيق في أن التاريخ الأمريكي لا يمكن أن يكتب من وجهة نظر القوى المستعمرة (بالكسر). لقد أحلت الدراسات الديموغرافية الدقيقة التي أجريت ونشرت في الآونة الأخيرة الحقائق محل المجادلات بين أسطورة "القسوة الأوربية" وأسطورة "الاستعمار الحامل للمدنية"، كما أنها بما جمعته في دراسات مستقلة عن استغلال الأراضي، و زوال التربة، و كثافة الاستيطان. من ثم فإن مثل تلك الدراسات تكون مفيدة لمحاضراتنا هذه الهادفة إجراء محاولة لإعادة بناء التاريخ الاجتماعي و الثقافي للهنود الأمريكيين قبل الفتح الأوربي.
لدى دراسة التحولات التي وقعت في العالم الجديد في عصر البليستوسين تواجه الباحث بداية الإشكالية المرتبطة بوصول الإنسان إلى النصف الغربي للكرة الأرضية. وبما أن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن تطور الرئيسات المتقدمة (البشريات الأولى) قد حدث فقط في العالم القديم دون أن يشمل ذلك الحدث العالم الجديد، فإنه يصبح منطقياً القول بأن الشكل الحديث لبني الإنسان، أي الإنسان العاقل عاقل (homo-sapiens-sapien) قد وصل إلى القارة الأمريكية مهاجراً من خارجها في مرحلة ما قبل الاستيطان الأوربي. ويحاول علماء الآثار بدأب شديد تحديد زمان تلك الهجرة و المكان الذي انطلقت منه باتجاه العالم الجديد.
وكما هو الحال مع الإنسان العاقل عاقل المهاجر من أفريقيا وآسيا إلى أوربا (؟) فإن سكان الأمريكتين نجحوا في تحقيق تكيف أساسي مع الظروف البيئية سريعة التغير في مرحلة ما بعد تراجع الجليد القاري. عموماً يمكن القول بأن تلك الاستجابات الثقافية قد أسهمت في نشوء نمط للحياة المعتمدة على شكل للاستغلال الفاعل للموارد النباتية و الحيوانية الغنية. قاد الاعتماد على موارد برية مختارة في بعض الحالات إلى تجارب قُدر لها أن تُدخل تعديلاً في الأنواع الطبيعية، و في مناطق قليلة أصبحت المحاصيل المتعهدة بالعناية و بعض الحيوانات المدجنة ذات أهمية. أصبحت تلك الموارد الإنتاجية في أمريكا الوسطى وفي منطقة الانديان أساساً اقتصادياً رئيساً لعدد من المدنيات التي ازدهرت في الفترة التي أعقبت الخمس آلاف سنة الماضية. تركت تلك الثقافات المركبة والمتطورة تأثيرها على مناطق أكثر اتساعاً في العالم الجديد عبر انتشار الأنواع المدجنة و عبر التجارة و الغزو. و في الوقت الذي يبدو فيه وجود تواترات أساسية في السمات الرئيسة للتطور في العالمين القديم والجديد، فإن الاختلافات لا يمكن غض النظر عنها. فالصلات عبر المحيط كانت، فيما يبدو، محدودة للغاية، بالتالي فإن العزلة الناشئة و التباعد بين سكان شطري الكرة الأرضية الغربي و الشرقي، أدى إلى اختلافات واضحة بخاصة من حيث البعد الثقافي بين سكان الشطرين. ومع "إعادة الاتحاد" بين سكان العالمين القديم و الجديد، و هو ما حدث في العصر الذي صار يعرف بـ "عصر الكشوف الجغرافية"، وصلت العزلة و التباعد طويل الأمد إلى نهايتهما.
أصول سكان العالم الجديد
يتفق العلماء عموماً على أن السكان الأصليين للعالم الجديد قدموا من شمال شرقي آسيا، لكن أسئلة عن تاريخ ذلك القدوم، وعن نوع السكان المهاجرين لازالت عرضة للنقاش. هل كانت هناك أكثر من هجرة؟ ما هي الأدوات الثقافية التي جلبها المهاجرون معهم؟ المؤسف هو أن المخلفات الأثرية بما في ذلك بقايا الهياكل البشرية التي يمكن أن توثق الوصول المبكر للإنسان إلى العالم الجديد محدودة للغاية.
شكل وصول الإنسان إلى النصف الغربي للكرة الأرضية امتداداً هاماً للمجال الحيوي للعالم القديم، فالإنسان الحديث تشريحياً كان قد وصل إلى أقصى حدود أور- آسيا بحلول البليستوسين المتأخر أو العصر الجليدي. فمنذ 30.000 سنة مضت غصت سيبيريا و الجزء الشرقي من آسيا بنوع من الإنسان العاقل عاقل ذو السمات البدائية "القوقازية (؟)" المتميزة بالرأس الطويلة و القامة القصيرة، و يحتمل أن يكون أولئك هم أسلاف الأمريكيين الأصليين. و فيما يبدو أنهم لم يكونوا قد طوروا بعد السمات الفيزيقية المميزة للسكان الآسيويين الحاليين. تمركز تكيفهم الثقافي في صيد الحيوانات الكبيرة من آكلات العشب باستخدام الحجارة والأسلحة الحادة المصنوعة من العظم، واحتمالاً أيضاً بمساعدة الكلب المدجن. و قد ساعد استخدامهم للنار و الملابس الجلدية و خيامهم المخاطة من جلود الحيوانات في بقائهم في تلك المناطق الشمالية قارصة البرودة.
خلال فترات طويلة من الجليد الختامي (ونسكونسين وفق مصطلحات العالم الجديد) كان شمال شرق آسيا مرتبطاً بمنطقة الاسكا عبر جسر أرضي امتد إلى ألفي كيلو متر عرضاً من الشمال إلى الجنوب. نتج ظهور هذا السهل العريض المعروف باسم بيرنجيا (بيهرنج) عن انخفاض مستوى المحيطات إلى قرابة مائة وثلاثين متراً بفعل انحباس كم هائل من المياه في الأرض شكلت المسطحات الجليدية. ظلت بيرنجيا نفسها منطقة غير متجمدة، بالتالي جاذبة، أعالت التندرا الغنية فيها كميات هائلة من القطعان وكذلك الصيادين. ظلت بيرنجيا مفتوحة لفترات طويلة، وأثبت علماء الجيولوجيا أنه، باستثناء فترات زمنية قصيرة، ظل الممر بين القارتين جافاً بين 27.000 إلى 10.000 سنة مضت ولفترات أسبق. يحتمل أنه خلال تلك الفصول استقبل العالم الجديد المهاجرين الأوائل.
أهمية خاصة تحتلها مسألة تحديد تاريخ مؤكد لذلك الدخول، ذلك أنه إذا كان قد تم قبل 40.000 سنة مضت سيكون ممكناً الاستنتاج بأن الكائن الشبيه بالإنسان من نوع النياندرتال كان هو المغامر الأول، لكن لا توجد بقايا هياكل تدعم مثل هذا الاحتمال. من ثم يمكن القول بأن وصول المهاجرين الأوائل قد اكتمل خلال المراحل الختامية للبليستوسين. في تلك الحالة فإن معظم المواقع الآثارية وكل السكان الأصليين للقارة الأمريكية ترجع لمهاجرين من نوع الإنسان الحديث تشريحياً. على كلٍ، فإنه باستثناء الوصول المتأخر للاسكيمو و الديت فإن الأمريكيين الأصليين يقتسمون بصورة عامة عدداً من السمات الفيزيقية المميزة التي يمكن أن تكون نتاجاً لسكان مؤسسين محدودين.
يقدم وجود الأضراس ذات الشكل الشبه مجرفي، ووجود فصائل دم نادرة في تواترات عالية نسبياً، وانعدام فصائل الدم (A,B,D,r) وسط الأمريكيين الأصليين، تفسيراً لتأثير السكان المؤسسين. من جانب ثانٍ يمكن إرجاع الاختلافات الملحوظة وسط أولئك السكان الأصليين أنفسهم في بنية الجسم ولون البشرة وما إلى ذلك إلى انجراف وراثي جديد أو إلى التطور الدقيق الناتج عن الضغوط الاصطفائية الطبيعية على سكان منعزلين في إطار بيئات محلية. يمكن أن تكون التشابهات الفيزيقية المشتركة لدى الآسيويين الحاليين والسكان الأمريكيين الأصليين نتاجاً لأحد أمرين: انصهار مجموعات العالم القديم أو وجود سمات وراثية مغولية متعددة لدى الأمريكيين الأصليين الأوائل.
الهنود الحمر القدماء
كانت فرص الوصول إلى العالم الجديد جنوبي المدخل القطبي محدودة ذلك لقرب مسطحين جليديين قاريين كبيرين (الكورديليران إلى الغرب واللاورنتيان إلى الشرق) الذين يلتحمان في أوقات خلال المراحل الأعلى للتجمد. لكنه وخلال الفترات الأقل برودة كان بمقدور الناس و الحيوانات إنجاز الدخول إلى الجنوب عبر الممرات الخالية من الجليد على امتداد الجناح الشرقي لجبال الروكي الكندية عند ذوبان المسطحين الجليديين و انفصالهما عن بعضهما. كشف علماء الآثار عن مواقع قليلة للغاية يمكن إرجاعها باطمئنان للأمريكيين الأصليين الأوائل. غرقت الكثير من مواقع المعسكرات القديمة نتيجة البحار المرتفعة التي غطت مجدداً بيرنجيا بنهاية البليستوسين. في مناطق أخرى فإن الطمي والحصى الناتجة عن مياه الجليد الذائب لا بد وأن تكون قد أدت إلى دفن تلك المعسكرات في الأعماق.
لازالت البينة الدالة على وجود الناس في العالم الجديد فيما قبل 12.000 سنة مضت تمثل إشكالية يدور من حولها الجدل، لكن علماء الآثار يعترفون عموماً بأن الكثير من المواقع قد تكوَّن بعد تلك الفترة، وتم التعرف على تلك المركبات كما تم تأريخها بصورة جيدة وقد احتوت على أدوات معروفة. يشير التوزيع المنتشر لتلك المواقع على امتداد أمريكا الشمالية وفي وسط أمريكا الجنوبية بفترة وجيزة لاحقة لـ 12.000 سنة مضت إلى أن الأمريكيين الأصليين نجحوا في التكيف الثقافي السريع مع بيئات متنوعة خلال البليستوسين المتأخر. يشير المتخصصون إلى عصر الصيادين وجامعي الطعام المتنقلين بمصطلح "المرحلة الهندية القديمة Paleo-Indian". تأتي البينة الدالة على طريقة حياة أولئك الصيادين الجامعين للطعام من العديد من المواقع المنتشرة، بما في ذلك الكثير منها في غرب الولايات المتحدة الأمريكية. أكثر تلك المواقع إثارة كانت هي مواقع الذبح التي تم فيها قتل الحيوانات الكبيرة من آكلات العشب وذبحها، مثل الماموث والبيسون الضخم (الثور الأمريكي). لكن الطبيعة الدرامية لتلك المواقع يجب ألا تتسبب في المبالغة من دور الصيد على الحيوانات الكبيرة في حياة الهنود الأمريكيين القدماء واقتصادهم. يحتمل أن يكون الناس قد استغلوا مدىً متنوعاً من الطعام النباتي والحيواني المتوفر في بيئاتهم، لكن ارتباط مواقعهم ببقايا عظام الحيوانات الكبيرة آكلة العشب لا يجوز نكرانه، فحيثما وجدت مخلفات الحيوانات المذبوحة تم العثور بجانبها على أدوات حجرية.
على أساس تقنية الأدوات، و الكرونولوجيا، و أنواع الفرائس لكل مجموعة قديمة استنتج علماء الآثار أن الفترة حوالي 12.000 و 11.000 سنة مضت ارتبطت بصيادين مستخدمين لأدوات "قالعة" حادة المقدمة. ارتبطت تلك الأدوات في الكثير من المواقع في الغرب ببقايا الماموث. عموماً فإن تكيف الهنود القدماء كان مرناً بما يكفي للاستجابة للتنوعات المناخية والجغرافية التي حدثت على امتداد أمريكا الشمالية بنهاية البليستوسين.
أعقب صائدي الماموث المستخدمين للأدوات القالعة ذات المقدمة الحادة في الغرب أناس كثفوا جهدهم على اصطياد قطعان البيسون الضخم طويل القرنين. في حوالي 10.000 سنة مضت كان بعض أولئك الصيادين في الجنوب الغربي قد لجأوا إلى أسلوب جديد لاستخدام أدوات ذات رؤوس محززة، "سميث فلوسم". تم استبدال تلك الأدوات المتخصصة برؤوس مقذوفة غير محززة "سميث البلانو" و التي أصبحت شائعة الاستخدام على امتداد الغرب الأمريكي. و يشير الباحث هويت و كذلك الباحث فريزون إلى أن عدداً من مواقع السهول الكبرى تدل على أن التقنية المفضلة بالنسبة للسكان المحليين لصيد البيسون تمثلت في تشتيت القطيع إلى حافة الأنهار أو الصخور ومن ثم تفريق الناجية من الشرك. ولنتذكر أن الحصان لم يتم إدخاله إلى السهول، و عليه فقد كان الصيادون يمارسون نشاطهم سيراً على الأقدام. في الشرق الأمريكي استخدم الهنود القدماء أشكال مختلفة من الرؤوس المحززة، مثل نوعية ما يسمى "دالتون"، لكن شح البقايا العظمية تجعلنا مرة أخرى نجهل تقنيات الصيد و نوعية الحيوانات المفضلة للصيد عندهم. قادت البينة الظرفية، مثل تلك التي وجدت في الغرب، بعض العلماء للتأمل في مسألة الإسهام الإنساني في انقراض جزء من البيئة الحيوانية الرئيسة في أمريكا الشمالية في البليستوسين، مثل الماموث، و البيسون الضخم، و الحصان، و الجمل، و كسلان الأرض (هذا الأخير هو حيوان أجرد يعيش في الغابات الاستوائية بأمريكا الجنوبية و الوسطى) و غيرها.
تطور الزراعة في العالم الجديد
تم اتخاذ الخطوات باتجاه نمط للحياة يعتمد على إنتاج الطعام أكثر من الاعتماد على الصيد والجمع منذ حوالي 9.000 سنة مضت في كل من العالمين القديم والجديد. لا يوجد شك الآن في أن خطوات التدجين تمت في كل من شطري الكرة الأرضية باستقلال. و رغم اختلاف الأنواع النباتية و الحيوانية التي تم تدجينها في العالمين فإن العملية في حد ذاتها تبدو متشابهة بصورة عامة في كلا الحالتين. و مع أنه يمكن القول بأن التأويل الذى طُرح بالنسبة لعملية الانتقال من الاقتصاد الاستحواذي إلى الاقتصاد الإنتاجي في العالم القديم يكاد ينطبق على العالم الجديد، إلا أن هنالك ملاحظات إضافية محددة يمكن الإشارة إليها بالنسبة للعالم الجديد:
أولاً: خلافاً للوضع في العالم القديم فإن عددية الأنواع الحيوانية التي نجح بنو الإنسان في تدجينها في الأمريكتين أقل من تلك التي نجح في تدجينها أهل العالم القديم.
ثانياً: كانت الأهمية الاقتصادية التي ارتبطت بالحيوانات المدجنة في العالم الجديد أقل مما كان عليه الحال في العالم القديم، ذلك باستثناء مناطق محدودة ومحصورة في العالم الجديد.
ثالثاً: يبدو واضحاً أن النباتات التي نجح الأمريكيون الأوائل في تدجينها استغرقت مدة أطول من عمليات الاصطفاء وارتبطت التغيرات بالنسبة لها بعامل التدخل الإنساني. هذه الحقيقة تجعل إمكانية تحديد سلف المدجنات الرئيسة في الأمريكتين أكثر صعوبة مما هو عليه الحال في العالم القديم.
رابعاً: يلاحظ أن المنتجات الزراعية لم تحل محل المنتجات البرية في غذاء الأمريكيين ما قبل التاريخيين بالسرعة نفسها التي حدث بها ذلك في العالم القديم.
خامساً: لم تظهر النتائج الاجتماعية للزراعة بما في ذلك نشوء المجتمعات المدينية المعقدة بالسرعة نفسها التي ميزت العالم القديم ولا بالقدر ذاته، إن جاز القول، من الدرامية.
بدأ الانتقال في العالم الجديد إلى إنتاج الطعام، كما أشرت، شأنه شأن العالم القديم، في فترة مبكرة في بعض المناطق الخصبة. لازالت عرضة للجدل إشكالية حدوث تدجين النباتات في مواقع بعينها من العالم الجديد. لازال الاتفاق حول هذه المسألة بعيداً. معروف مدى محدودية الموارد الطبيعية للطعام في مناطق وسط أمريكا شبه الصحراوية و جنوبها. حتى الموارد المتوفرة فإنها تكون متناثرة و متباعدة على امتداد تلك المنطقة، مما اضطر جماعات الصيد و الجمع للتحرك على مدى مساحات واسعة بحيث ظهرت ضرورة تنسيق التحركات بدقة ارتباطاً بمواسم العطاء الأعلى الأمثل للموارد. لذلك فإن كل عصبة صاغت لنفسها استراتيجيات إعاشة محددة تتلاءم و المحيط الخاص بها.
نسبة لهذا الوضع الناشئ تاريخياً فإنه يلاحظ وجود عدم اتفاق بين الباحثين حول المسار المحدد لعملية التدجين في الأمريكتين. الرأي الأول كان قد طرحه الباحث فلانيري في عمله المعنون "نظرية الأنساق الأركيولوجية و أمريكا الوسطى المبكرة" الذى نشره عام 1968، و عاد مجدداً لتكرار الرأي ذاته في عام 1973 في بحثه المعنون "أصول الزراعة". يتلخص رأيه في أن السكان القادمين الأوائل إلى الأمريكتين اتجهوا، تحت ضغوط المنافسة، نحو إعادة إنتاج الحبوب البرية التي كانوا قد تعرفوا عليها في موطنهم السابق بصورة اصطناعية. تفصيل رأيه أن استغلال المناطق الإنتاجية المحلية (الميكرو- بيئية) في إطار مناطق واسعة دفع بالصيادين و جامعي الثمار إلى الاعتماد المتزايد على موارد نباتية منتقاة وفق درجة أفضليتها من حيث نمط نمائها الكثيف أو يسر حصدها أو إنتاجيتها العالية أو قيمتها الغذائية. و يحاول الناس في بعض الحالات استحداث و استخدام أكثر فاعلية لتلك الموارد عبر : (1) تطوير استراتيجيات جديدة للبحث عن الطعام؛ (2) إبداع أدوات إنتاجية جديدة؛ (3) إجراء التجارب مع النباتات نفسها. ويؤدي التعامل المكثف الذى يمارسه الإنسان مع النباتات إلى أن تجد بعض الطفرات الوراثية الهامة في بعض الأنواع ظروفاً تعمل لمصلحتها. و حيثما تنتج سمات مرغوبة أكثر يمكن أن نتوقع استجابة من الناس لتلك التحسينات من خلال إدخال تعديلات على سلوكيات الجمع. كلما كثف الناس تركيزهم على أنواع مثل الذرة الشامي و الفاصوليا فإنهم يهجرون في نهاية المطاف النمط التقليدي في جمع الطعام ليرتبطوا أكثر فأكثر بالنوعين و يطوروا إنتاجيتهما عبر البستنة "طعاماً مفضلاً".
قدم كوهين رأياً ثانياً بديلاً لفرضية البيئة الهامشية و ذلك في عمله "أزمة الطعام في ما قبل التاريخ". يتمحور رأيه في أن تدجين النباتات كان نتاجاً لنمو التزايد السكاني. بما أن النمو السكاني قد بلغ مستويات حرجة بطريقة أسرع في بيئات هامشية فإنه و في هذه البيئات تطورت النباتات المدجنة لأول مرة. يتم عن وعي بذل مجهودات لتشجيع نباتات ضارة سريعة الانتشار بعينها و التي كانت تستخدم إما موارد ثانوية للطعام أو في حالة الضرورة، و بدأ الناس في الاهتمام بالذرة الشامي و الفاصوليا وغيرها. و كما يقول يودكين في بحثه الموسوم "علم الآثار والمتخصص في التغذية" فإنه إذا ما ترك الخيار للناس فإنهم سيفضلون في كل مكان عموماً الفواكه و اللحوم، لكنهم سوف يلجأون إلى المحاصيل ذات الجذور و إلى القمح عندما يقل الإمداد بأنواع الطعام المشتهى. لكن تلك الأطعمة الأقل درجة من حيث الرغبة الإنسانية تشترك، في رأي فلانيري، في خصائص هامة بحسبانها مدجنات محتملة: (1) لكونها تنمو في أرض غير صالحة؛ (2) لكونها تنمو بفاعلية في وسط كثيف؛ (3) لكونها تستجيب للتعامل الإنساني والاصطفاء؛ (4) لكونها تؤلف نوعاً من البروتين أو الكاربو هيدرات (سكر/ نشا) صالح للتخزين. من وجهة النظر هذه يمكن عد البستنة تكيفاً لسكان متزايدة أعدادهم مع الفقر الطبيعي المميز لبيئاتهم.
في كلا الحالتين فإن دور النباتات البرية أخذ في التراجع بينما يتزايد الاعتماد المتبادل أو العلاقة الرمزية بين الفلاحين و محاصيلهم. في هذه العلاقة المتبادلة يتحصل الناس على الطعام بينما تتحصل أنواع النباتات على المزيد من الرعاية ويتم تحسينها وراثياً وتنال انتشاراً أوسع بسبب المتاجرة في بذورها و نقلها.
لم يحدث تدجين النباتات في الأمريكتين في حدود منطقة ضيقة واحدة، كما أنه لم يحدث في الوقت نفسه في مناطق متناثرة. كانت هناك مناطق عديدة يمكن أن تكون الموارد النباتية فيها قد أصبحت ضرورية لطرق الطعام لدى السكان المحليين عبر التدجين المبدئي أو الكامل. اقتنت بعض تلك الأنواع من النباتات أهمية محلية فقط مثل القطيفة (سالف العروس) أو رجل الأوز في شرقي الولايات المتحدة الأمريكية، أو مثل الرامون في أمريكا الوسطى (المنطقة التي تعرف بمصطلح "ميزو أمريكا، أي أمريكا الوسطى" الممتدة من جنوب المكسيك عبر بنما). إلا أن أكثر مدجنات العالم الجديد أهمية تشمل الذرة الشامي، و البقوليات، و القرع، و التي كانت كلها محلية بالنسبة لمرتفعات أمريكا الوسطى الجافة.
دللت الأبحاث التي أجريت في مناطق عديدة من المكسيك على أن هذا الجزء من أمريكا الوسطى كان مسرحاً لتطور إنتاج الطعام في الألفية التي أعقبت 9.000 سنة مضت. تم الكشف عن المواقع المرتبطة بالتاريخ المبكر للذرة الشامي و البقوليات والقرع في واهاكا و تاميليباس بخاصة في وادي تايواكان جنوب غربي مدينة نيومكسيكو.
هكذا يتضح أن النباتات المدجنة تم إدخالها من أمريكا الوسطى إلى جنوب غربي الولايات المتحدة الأمريكية إذ قد تم الكشف عن بذور للذرة الشامي والقرع يرجع تاريخها إلى 3.000 سنة مضت في المواقع المبكرة في نيومكسيكو.
(1) للمزيد من الإطلاع على أنواع البشريات الأولى ونشوئها وأماكن بزوغها والخصائص التي تميز الأنواع المختلفة من تلك البشريات يمكن الرجوع إلى: أسامة عبدالرحمن النور و أبوبكر يوسف شلابي، تاريخ الإنسان حتى ظهور المدنيات: دراسة في الأنثروبولوجيا الفيزيقية والثقافية، إلجا للنشر، فاليتا، مالطا 1995.
مجلة الآثار│مجلة الأنثروبولوجيا│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات│ما قبل تاريخ الصحراء الليبية
ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية│الكتاب الكلاسيكيون│تقنيات البحث الآثاري│الثقافات الأفريقية│الببليوغرافيا│الصفحة الرئيسة